4 دقيقة، 7 ثانية

 إذا كنتَ من الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري، أو تملك طفلاً مصابًا به، فلا بدّ -من خلال متابعتك لكل جديدٍ يقدّمهُ العلم ويتناوله حول هذا المرض- أنّك مررت بمصطلح “البنكرياس الاصطناعي”.

فما آخر ما توصل إليه العلم حول هذا البنكرياس؟ وكيف يعتبر هذا الإنجاز نقطة تحول نوعية للمرضى ومقدمي الرعاية الصحية؟

في تجربة تم تمويلها من قبل المعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى (NIDDK)، أجريت في أربعة مراكز لأطفال السكري في الولايات المتحدة، وجدت أن هذا البنكرياس الاصطناعي الجديد -الذي يعمل على مراقبة وتنظيم مستويات الجلوكوز بشكل تلقائي في الدم- آمن وفعال في السيطرة على مستويات الجلوكوز في الدم لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ستة أعوام والمصابين بداء السكري من النوع الأول؛ الذي يعرّف على أنه حالة مزمنة ينتج فيها البنكرياس كمياتٍ قليلة من هرمون الإنسولين الذي ينظم دخول الجلوكوز للخلايا لإنتاج الطاقة، أو لا ينتجه بتاتًا، وذلك نتيجة لعدّة عوامل تسبب المرض كالعوامل الوراثية أو البيئية أو التعرض للفيروسات.

قال غييرمو أريزا روبين، مدير برنامج NIDDK لتكنولوجيا مرض السكري ومن القائمين على هذه الدراسة أنه أقل من طفل واحد من بين كل خمسة أطفال مصابين بالسكري من النوع الأول قادر على الحفاظ على مستوى الجلوكوز في الدم ضمن معدلاته الطبيعية مع طرق العلاج الحالية، ما قد يكون له عواقب وخيمة على صحتهم ونوعية حياتهم على المدى الطويل.

أظهرت الأبحاث السابقة أن النظام الذي تم اختباره في هذه الدراسة كان آمنًا وفعالاً للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 14 عاماً فأكثر، وتوضح هذه التجربة الآن أن هذا النظام يعمل بفعالية كذلك لدى الأطفال الأصغر سنًا.

نظام هذا البنكرياس الاصطناعي يسمى نظام Control-IQ ويعمل باستخدام تقنية البلوتوث عن طريق نظام حلقة تحكم مغلقة، وطريقة عمل هذا الجهاز وملحقاته تجعله يتميز بكونه نظام “الكل في واحد”؛ بحيث يتتبع مستويات الجلوكوز في الدم من خلال مستشعرات (sensors) موجودة في جهاز مراقبة الجلوكوز بشكل مستمر (CGM)، ويقوم تلقائيًا بتوصيل الانسولين عند الحاجة باستخدام مضخة الإنسولين التي ترتبط بها رقعة تسريبية تساعد على إيصال الإنسولين من خلال أنبوب.

ومضخة الأنسولين هذه تمّت برمجتها باستخدام خوارزميات تحكم متقدمة بالاعتماد على نموذج رياضي يستخدم قيم الجلوكوز لدى المريض من أجل ضبط جرعة الانسولين بشكل تلقائي، وقد تم اشتقاق هذه التكنولوجيا من نظام تم تطويره في الأصل في جامعة فيرجينيا بدعمٍ من المعهد المموّل.

لقد منحت إدارة الغذاء والدواء (FDA) الموافقة على هذا الجهاز الذي يدعى (MiniMed 770G System) بناءً على تقييمها لبيانات تجربة سريرية ضمت 46 طفلاً من مرضى السكري نوع 1 تتراوح أعمارهم بين 2-6 أعوام، بعدما قام الأطفال المشاركون في الدراسة بارتداء الجهاز لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا لتقييم أدائه، مع الحرص على مواصلتهم لحياتهم اليومية بشكلها الطبيعي ليتمكن الباحثون من فهم أفضل لكيفية عمل الجهاز ضمن الروتين المعتاد.

و تصرح (FDA) أن الجهاز آمن للاستخدام، حيث لم يتم ملاحظة أية آثار جانبية خطيرة لاستخدامه، فقد وقعت بعض الحالات لدى المجموعة الضابطة في التجربة والتي استخدمت البنكرياس الاصطناعي، ولكن هذه الآثار صُنّفت على أنها طفيفة ومتعلقة بمعدات مضخة الأنسولين كحدوث تهيج أو احمرار في الجلد بسبب رقعة التسريب، أو حدوث تغييرات بسيطة لنسب السكر في الدم تبعًا لاستخدام الجهاز، ولكن لم تحدث حالات نقص سكر الدم الشديد أو تشكل الأحماض الكيتونية في الدم. 

وواحدة من الفوائد الهامّة لهذا الجهاز هي ملاحظة التحسن في الحفاظ على نسب السكر في الدم خلال فترات النهار والليل؛ ويعتبر التحكم بمستويات السكر بالدم خلال فترة الليل ذا أهمية كبيرة بالنسبة للأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الأول؛ لأن النقصان الشديد للسكر في الدم ومن دون مراقبة قد يؤدي إلى حدوث نوبات تشنجية أو غيبوبة أو حتى الموت فيما يعرف بمتلازمة الموت الفجائي Dead-in-Bed Syndrome.

 قال R. Paul Wadwa أستاذ طب الأطفال في Barbara أن التحسن في السيطرة على نسبة الجلوكوز في الدم في هذه الدراسة كان مثيرًا للإعجاب، خاصة خلال ساعات الليل، ممّا أتاح للوالدين ومقدمّي الرعاية الصحية النومَ بشكل أفضل خلال الليل مع معرفتهم بأن أطفالهم في وضع أكثر أمانًا، وبأن تكنولوجيا البنكرياس الاصطناعي هذه يمكن لها أن تتيح القدرة للأطفال وأسَرهم على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكثر دون الحاجة للتوقف عن الكثير من الأمور لرعاية مريض السكري، وكذلك يتيح للأطفال الفرصة في التمتع بمرحلتهم العمرية هذه.

عمل معهد NIDDK على تمويل هذه الدراسات لإنشاء جهاز آلي سهل الاستخدام يمكن أن يخفف العبء المستمر لمرضى السكري من النوع الأول من وخز الأصابع وحقن الأنسولين، إلى حسابات جرعة الأنسولين والمراقبة المستمرة، إلى جانب تحسين السيطرة على مرض السكري ومنع المضاعفات قصيرة وطويلة المدى للمرض.

يقول الفريق الباحث أن البنكرياس الاصطناعي هو تتويج لسنوات من الجهد، ومن المثير أن نرى كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تفيد الأطفال المصابين بداء السكري من النوع الأول وعائلاتهم، ونأمل أن تفيد كل شخص مصاب بداء السكري في المستقبل.

وكجزء من موافقة إدارة الغذاء والدواء على الجهاز، فإنها تطلب من الشركة المصنعة إجراء دراسة لمرحلة ما بعد طرحه بالأسواق للحصول على تقييم حقيقي لأداء الجهاز للأطفال المصابين بين 2-6 سنوات. يجدر بالذكر هنا أن إدارة الغذاء والدواء لم تمنح موافقتها على هذا الجهاز للأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن السنتين، والذين يحتاجون إلى أقل من ثماني وحدات من الإنسولين يوميًا.

 **جهاز مراقبة الجلوكوز بشكل مستمر (CGM): 
هو جهاز صغير يتم زراعته تحت الجلد مباشرة، يعمل على قياس كمية الجلوكوز في السائل الخلالي (الذي يحيط بخلايا الجسم) طوال النهار والليل، مما يتيح للمريض بمراقبته والحصول على تنبيهات في حالة ارتفاع نسبته أو انخفاضها.