5 دقيقة، 35 ثانية

استحوذت تقنية الواقع المعزز (AR) على اهتمام كل من الجمهور والمؤسسات من خلال قدرتها على دمج المحتوى الرقمي بسلاسة مع بيئة الواقع. تسمح أجهزة مثل (Microsoft HoloLens) و(Magic Leap One) بمشاهدة العالم المادي الحقيقي ولكن بإضافة بُعد رقمي، حيث يرى المستخدمون نماذج افتراضية مدموجة مع العالم الحقيقي. عادةً ما يتم تقديم العناصر الرقمية، والتي قد تكون أي شيء، من الأشكال البسيطة حتى النماذج الواقعية للأشخاص، في صورة مجسمة (أي مع صور منفصلة معروضة لكل عين) لإيهام المُشاهد بوجود عمق عند وضع هذه العناصر بجوار عناصر حقيقية. علاوة على ذلك، يتم تسجيل العناصر الرقمية باستخدام الكاميرات وأجهزة الاستشعار التي تتعقب موضع المستخدم في مكانٍ محدد، وذلك حتى يبقى العنصر في موضعه المبرمج عندما يتحرك الشخص.

إن الاهتمام بتقنية الواقع المعزز قد يكون حديثًا ومتزايدًا، إلا أن الباحثين قاموا ببناء واختبار التكنولوجيا لعقود من الزمن، تُركِّز العديد من التجارب على الجوانب الفنية والتصميمية للتقنية، ولكن لا يُعرَف الكثير عن كيفية تأثُّر التواصل الاجتماعي بين الأشخاص بالتكنولوجيا. عرّف جوردون آلبورت مجال علم النفس الاجتماعي بأنه: “محاولة لفهم وتفسير كيف تتأثر أفكار ومشاعر وسلوك الأفراد بحضور فعلي أو متخيل أو ضمني لآخرين”. هذا التعريف مقبولٌ بشكلٍ جيد وواسع بما فيه الكفاية ليشمل أفرادًا افتراضيين في الواقع المعزز. تُعد نظرة آلبورت المستقبلية لتوسيع نطاق علم النفس الاجتماعي ليشمل التفاعل المُتخيَّل والضمني أمرًا بالغ الصعوبة، نظرًا لأنواع التواصل الاجتماعي الجديدة التي يمكن اختبارها بالواقع المعزز.

دراسات سابقة لتأثير الواقع الافتراضي (VR) على تفاعل الأشخاص
في عالم الواقع الافتراضي (VR) والذي يوفر تجربة أكثر انغماسًا، تم نشر مئات الأوراق البحثية والتي تبحث في تفاعل واستجابة المستخدمين للأشخاص الافتراضيين، سواء كانوا تجسيدًا أو ممثلين عن برامج أو تطبيقات. ومع ذلك، فإن مدى امتداد نتائج هذه الدراسات إلى الأشخاص الافتراضيين في بيئة الواقع المعزز محدود لا يتعدى عددًا قليلًا من الدراسات. 

في حين وجود دراسة تعرض اتجاهًا متزايدًا في الدراسات التقييميّة للواقع المعزز (أي الدراسات التي يتم فيها بناء أنظمة واقع معزز واختبارها من أجل فعاليتها أو دراسة التأثيرات النفسية على المستخدمين). على سبيل المثال أظهر ستيبوتي وآخرون في دراسة أن الفرق في الجودة المرئية بين العناصر التي يتم إظهارها والحقيقية؛ يُقلّل من إحساس الشخص بالانتماء للواقع (التواجد). ومع ذلك، قَلَّ هذا الإحساس عندما تم تمرير كل من العناصر الافتراضية والحقيقية من خلال مُرشِّح للصور، لإلغاء التفاوت في الجودة البصريّة.

يُوضح عدد من الدراسات التي أجراها ولش وآخرون أن الشخصيات التجسيدية يمكنها تحقيق حضور اجتماعي عالٍ (تم قياسها بتقارير أو بيانات سلوكية) من خلال دمج المحتوى الافتراضي بنجاح مع الواقع.

 في دراسة أخرى قام بها كيم وآخرون، تفاعل المشاركون مع شخص افتراضي مع وجود مروحة حقيقية تعمل في الغرفة. صادف المشاركون ثلاثة ظروف مختلفة: لم تؤثر المروحة على العالم الافتراضيّ، تتسبب المروحة في تطاير ورق افتراضي، أو تفاعل الشخصية الافتراضية مع تدفق الهواء وإمساك طرف الورق لمنعه من التطاير. كان التفاعل الاجتماعي مع الشخصية الافتراضية أكبر عند استجابة العناصر الافتراضية للواقع. يُشير ذلك إلى أنه كلما زاد تفاعل المحتوى الافتراضي مع البيئة المادية، يجعل ذلك الشخص الافتراضي أكثر واقعية.

دراسة جامعة ستانفورد
في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا الكبرى في طرح منتجات الواقع المعزز، يدرس باحثو جامعة ستانفورد كيف يؤثر ذلك على سلوك الناس -في كل من العالم الماديّ والمُحسَّن رقميًا-.

في الدراسة التي قادها جيريمي بيلينسون، أستاذ قسم الاتصالات بكلية العلوم الإنسانية، وجد الباحثون أنَّ التجربة أو المحاكاة التي قام بها المشاركون في الواقع المعزز -من خلال ارتداء نظارات تدمج محتوى تم إنشاؤه بواسطة الكمبيوتر في بيئات الواقع- غيرَّت من تفاعلهم مع العالم المادي، وذلك حتى بعد إزالة نظارات الواقع المعزز؛ فعلى سبيل المثال، تجنب المشاركون في التجربة الجلوس على مقعد قد جلس عليه شخص افتراضي للتو. ووجد الباحثون أيضًا أن المشاركين بدا أنهم متأثرون بوجود شخص افتراضي بطريقة مماثلة كما لو كان شخصًا حقيقيًا يجلس بجوارهم.

قال بيلينسون: «لقد اكتشفنا أن استخدام تقنية الواقع المعزز بإمكانه تغيير مكان تحركك، كيف تُدير رأسك، مدى جودة تأدية مهامك، وكيف تتواصل اجتماعيًا مع أشخاصٍ حقيقيين آخرين في الغرفة».

تعكس النتائج التي تم التوصل إليها العديد من الأبحاث التي أجراها بيلينسون حول الواقع الافتراضي (VR)، بينما تحاول تقنية الواقع الافتراضي محاكاة بيئة واقعية وإخراج المستخدم من الواقع الحالي، فإن تقنية الواقع المعزز (AR) تضع معلوماتٍ رقمية داخل المحيط المادي للمستخدم. في السنوات الأخيرة ركزت العديد من شركات التكنولوجيا على تطوير نظارات الواقع المعزز وغيرها من المنتجات، والابتعاد عن التركيز السابق على الواقع الافتراضي، وذلك حسب قول بيلينسون.

يقول بيلينسون إن نظارات الواقع المعزز يمكنها اليوم أن تعرض نسخة واقعية ثلاثية الأبعاد لشخص حقيقي في الوقت الفعلي داخل الحيز المادي لمن يرتديها. يتيح ذلك ميزة للأشخاص في جميع أنحاء العالم للتواصل البصري وغير اللفظي بشكل أكثر دقة -وهو أمر يصعب تحقيقه عند القيام بالمحادثات عبر الإنترنت.

«قد تساعد تقنية الواقع المعزز في أزمة تغيُّر المناخ وذلك من خلال عقد اجتماعات افتراضية واقعية، وذلك من شأنه تقليل الحاجة لاستخدام الوقود سواء للذهاب للعمل أو الطيران. ويمكن أن يساعد هذا البحث في التركيز على العواقب الاجتماعية المُحتمَلة لاستخدام تقنية الواقع المعزز بشكل واسع النطاق، بحيث يمكن تجنب انتشار هذه المشكلات من خلال طريق تصميم التكنولوجيا».

دراسة تأثير تقنية الواقع المُعزَّز
لدراسة كيفية تأثير تقنية الواقع المعزز على سلوك الأفراد في المواقف الاجتماعية، استعان الباحثون بـ 218 مشاركًا وأجروا ثلاث دراسات. في أول تجربتين تفاعل كل شخص مع شخص افتراضي يُدعى كريس يجلس على مقعد حقيقيّ أمامهم. تطابقت الدراسة الأولى مع نتيجة دراسات علم النفس التقليديّ المعروفة باسم (الكبح الاجتماعي- social inhibition). ووجد الباحثون أنه مثلما يُكمِل الأفراد المهام السهلة بيسرٍ ويعانون مع المهام الأكثر صعوبة وذلك عند وجود شخص آخر يراقبهم في الواقع، فإن الأمر نفسه ينطبق على الشخصية الافتراضية عندما تراقب المشاركون داخل الدراسة باستخدام الواقع المعزز. أكمل المشاركون اختبارًا بسيطًا للكتابة في الدراسة بشكل سريع، ولكن عندما ازداد الاختبار تعقيدًا أدّوا أداءً سيئًا عندما كان كريس في مجال رؤيتهم.

اختبرت دراسة أخرى ما إذا كان المشاركون سيتبعون التعاملات الاجتماعية المقبولة عند التفاعل مع كريس. تم قياس ذلك من خلال تتبع المكان الذي سيجلس عليه المشاركون بعد ذهاب كريس. وجد الباحثون أن جميع المشاركين الذين ارتدوا نظارات الواقع المعزز جلسوا على الكرسي الفارغ بجوار كريس بدلاً من الجلوس مباشرة على مكان الشخصية الافتراضية. وعندما طُلب من عدد من المشاركين خلع السماعة قبل اختيار مقعدهم، اختار 72 بالمائة الجلوس على المقعد الفارغ بجوار المكان الذي كان يجلس فيه كريس سابقًا.

تأثير الروابط الاجتماعيّة
قال بيلينسون: «حقيقة عدم جلوس شخص واحد من المشاركين، والذين ارتدوا نظارات الواقع المعزز في التجربة على المكان الذي جلس فيه “كريس” الشخصية الافتراضية هي مُفاجئة بعض الشيء. تكشف هذه النتائج كيف يندمج محتوى الواقع المعزز الرقمي مع حيزك المادي، مما يؤثر على طريقة تفاعلك داخله ويبدو أيضًا استمرار تأثير حضور الواقع المعزز طويلًا بعد خلع النظارات».

في الدراسة الثالثة، راقب الباحثون كيف يؤثر الواقع المعزز على العلاقة الاجتماعية بين شخصين يجريان محادثة بينما يرتدي أحدهما نظارة الواقع الافتراضي. وجد الباحثون أن أولئك الذين يرتدون النظارات يشعرون برابطة اجتماعية أقل مع شريكهم في المحادثة.

وقال بيلينسون إن هناك حاجة لدراسات إضافية، يعمل عليها هو وفريقه الآن لدراسة آثار الواقع المعزز بصورة مُوسَّعة. وأن هذه الورقة البحثية بالكاد تتعرض للنتائج الاجتماعية النفسية لاستخدام الواقع المُعزز وكذلك فوائد استخدامه، ولكن أيضًا هناك حاجة للكثير من الدراسات لفهم آثار هذه التكنولوجيا نظرًا لتزايد استخدامها.