2 دقيقة، 37 ثانية

في أواخر صيف 2016، أدرك مزارعو القمح في فرنسا أن هنالك شيئًا ما خطأ؛ فقد كانت كميات محصولهم أقل بكثير من المعتاد. حيث اعتاد المزارعون على أن يكون ناتج محاصيلهم -كمية المحاصيل المنتجة في حقولهم- متقارب ولا يتغير إنتاج القمح بنسبة تزيد عن 5 في المائة من سنة إلى أخرى. إلا أن انخفاض كمية المحصول في ذلك العام كان مقلقاً. ولم يتضح سبب هذا الإنخفاض على الفور، لكن فيما بعد عرف أن سبب المشكلة يعود إلى تأثر فرنسا بموجة حارة خلال ذلك الشتاء تبعها أمطار غزيرة أفقدت التربة عناصرها الغذائية، وأدى كل من الحرارة والرطوبة لانتشار الأمراض والآفات. ولم يبدو ذلك سيئًا حال حدوثه حتى كانت كمية المحصول أقل من العام الماضي ب25% بفرنسا ككل وأقل ب50% في بعض المناطق. فرنسا بلد غني ورغم خسائر المزارعين قد لا تتأثر بمثل هذه الحالة لاعتمادها على منتجات أخرى إلا أن هذه الحالة قد تحدث في بلد آخر وقد تتسبب في تفاقم الفقر وحدوث المجاعات.

يتصور الناس أن التأثير الذي سيطالهم بسبب التغير المناخي فقط هو العيش بفصل صيف أطول وفصل شتاء أقصر وأن المدن الساحلية ستغرق بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر، إلا أن هذا ليس الأثر الوحيد للتغير المناخي، فالتغير المناخي سيؤثر حتى على ما نأكله.  فمع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الآفات، ستنتج المزارع طعامًا أقل. وسيتعين على المزارعين العمل بجدية أكبر لزراعة المحصول ذاته وقد تكون بعض المحاصيل ذات قيمة غذائية أقل. وقد نأكل كميات أقل من الأطعمة المعرضة لتغير المناخ -مثل القمح والذرة- والمزيد من المحاصيل التي يمكنها تحمل الجفاف بشكل أفضل.  

يتأثر نمو المحاصيل بالعديد من العوامل كالأمطار وأشعة الشمس ونوع التربة ودرجة الحرارة، ولمعرفة الأثر الفعلي لدرجة الحرارة على النبات بالتحديد طور العالم Asseng برنامج نمذجة نمو النباتات ليقيم التغييرات المحتملة في إنتاجية المحاصيل في المزارع. استخدم Asseng وفريقه هذا النموذج للبحث في كيفية تأثير ارتفاع درجات الحرارة على محاصيل القمح والأرز والذرة وفول الصويا. والمحاصيل الأربعة هذه تشكل ثلثي السعرات الحرارية التي يتناولها الإنسان في كافة أنحاء العالم.

أدى تعديل درجات الحرارة في البرنامج إلى حدوث نتائج مقلقة للغاية. فقد أظهر نموذجه أن الاحترار العالمي بمقدار درجة واحدة مئوية (1.8 درجة فهرنهايت) “يؤدي إلى انخفاض في جميع المحاصيل الرئيسية”. حيث ستخفض هذه الدرجة المئوية الواحدة ​إنتاجية محصول الذرة بنسبة 7 إلى 8 في المائة. وإنتاجية محصول ​​القمح بنسبة 6 في المائة. وإنتاجية ​​محصول الأرز وفول الصويا بنحو 3 في المائة.

كما أسلفنا الذكر أن المحاصيل تتأثر بخصائص التربة، والتغير المناخي يؤثر على خصائص التربة، حيث تحتوي المناطق الرطبة الممطرة على الكثير من المواد العضوية -معظمها من الكربون- في التربة. ذلك لأن هذه المناطق الرطبة غالبًا ما تحتوي على الكثير من النباتات. فعندما تتساقط الأوراق أو تموت، تتحلل أنسجتها في البيئة الرطبة مما يضيف السماد -العناصر الغذائية- إلى التربة. لكن الأماكن الجافة تحتوي على عدد أقل من النباتات. ومع موت النبات هناك، فإنها تستغرق وقتًا أطول لتتعفن وتتحول إلى سماد. وبطبيعة الحال أدى تغير المناخ إلى أن تصبح بعض المناطق أكثر جفافاً فقد تفقد بذلك بعض المواد العضوية في التربة وهذا من شأنه أن يقلل من العناصر الغذائية المتاحة لتغذية محاصيل المواسم المقبلة.

في مثل هذه المعضلات يتجلى دور العلم، ما زال العلماء يدرسون هذه القضايا ويتعلمون المزيد حول كيفية تأثير تغير المناخ على الإمدادات الغذائية. ويحاولون تطوير محاصيل جديدة وتقنيات نمو جديدة لمساعدة المزارعين على التكيف مع التغييرات القادمة.