3 دقيقة، 33 ثانية

كما نعلم جميعًا، تلعب البطاريات دورًا كبيرًا في حياتنا اليومية، بدءًا من تشغيل معظم أجهزتنا الإلكترونية إلى الحفاظ على الطاقة للإستخدام في حال الحاجة، إلا أن عملية إنتاجها شديدة الخطورة ولها تأثير سلبي على البيئة، لكن لحسن الحظ، فإننا على وشك اكتشاف تقنيات جديدة يمكن أن تساعد في القضاء على العامل السّام للبطاريات بسبب بحث أجراه فريق في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

في عام 2009 قامت أنجيلا بلشر، بروفيسور في الهندسة الحيوية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بعرض نموذج أولي لبطّارية صغيرة تعمل على الفيروسات أمام رئيس الولايات المتحدة آنذاك، وبعد إعجابه بالفكرة تابعت البحث والتطوير بالفكرة حتى صنعت فيروسات يمكنها العمل مع أكثر من 150 مادة مختلفة مثبتة أنه يمكن استخدام تقنيتها لتصنيع مواد أخرى مثل الخلايا الشمسية.  بعد إدراكها أنه لدينا القدرة على إدخال المعلومات في جينوم الفيروس لصناعة المزيد منها،
ومع أنّ الفيروسات خطيرة وقد يكون لها نتائج مميتة، إلاّ أنّه يمكن التلاعب بنظامها في حال فهم كيفية عملها، فهي تحتوي على مادة وراثية، الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA)  اعتمادًا على نوع الفيروس، ولكن لا يمكنها التكاثر بمفردها، فعليها حقن موادها الجينية في خلية حية التي بدورها ستبدأ بعملية نسخ هذا الحمض النووي ونشره، وهذا ما يمكن الاستفادة منه في الهندسة الحيوية.
بدأت التجارب على فيروس يعرف بال M13-bacteriophage وهو نوع من أنواع الفيروسات التي تصيب البكتيريا فقط وجينومها بسيط وسهل التلاعب به.

كيف تساعدنا هذه الفيروسات المعدلة في صنع البطاريات؟ 
للاستفادة من الفيروس لإنتاج القطب الكهربائي، قام الباحثون بتعريضه للمادة التي يريدون أن يتلاعبوا بها،  حيث ستؤدي الطفرات الطبيعية أو المهندسة في الحمض النووي للفيروس إلى تعلقه بهذه المادة، وبعد ذلك يقوم الفيروس بتصنيع بروتينات محددة على سطحه تجذب جزيئات هذا المعدن لتغطي جسم الفيروس، ثم يتم استخراج هذا الفيروس واستخدامه لإصابة البكتيريا، مما ينتج عنه ملايين النسخ المتطابقة من الفيروس. تتكرر هذه العملية مرارًا وتكرارًا، ومع كل تكرار يصبح الفيروس مهندسًا للبطارية بدقة أكبر.

وعند توجيه الملايين من هذه الفيروسات لجذب المزيد والمزيد من جزيئات المعدن، تبدأ هذه الجزيئات بالالتصاق ببعضها البعض مشكلةً ما يسمى بالأسلاك النانوية، وهي أسلاك صغيرة جداً مغلفة بالمعادن يمكن استخدامها في أقطاب البطارية. 

يعمل الفريق الآن على استخدام هذه المصانع الميكروبية لصنع بطاريات الليثيوم والأكسجين والتي تسمى أيضًا ببطاريات الليثيوم الهوائية، وهي نوع من البطاريات التي تعتمد على الأكسجين لتحفيز التفاعل الكيميائي الذي يجعل البطارية تعمل، وهذا يعني أن تدفق الأكسجين المستمر، بدلاً من الإمداد المحدود للكهرباء داخل خلية البطارية، يمكِّن بطارية الأكسجين الليثيوم نظريًا من تخزين طاقة أكثر بعشر مرات، بالنسبة لكتلتها، من أيون الليثيوم.

على الرغم من أن عملية إنتاج هذه البطاريات الفيروسية التي تعتمد في الغالب على الفيروس نفسه، المعدن والماء، أكثر نظافة مقارنة بالبطاريات القديمة التي ينتج عنها منتجات ثانوية سامة وتتطلب درجات حرارة عالية جدًا، إلأّ أنّ هذه البطاريات الحديثة لها مجموعة من القيود الخاصة بها مثل إنها حاليًا شديدة التفاعل مع كفاءة شحن منخفضة نسبيًا ويلزم إزالة الشوائب من الأكسجين قبل إطعامها للبطّارية. كل هذا لن يمنع العلماء من إجراء المزيد من التجارب في هذا المجال، مما يمهد الطريق لاختراعات جديدة، قد تكون مدعومة بالفيروسات!

لقد فتح هذا البحث الكثير من الأبواب أمامنا لاكتشاف الجانب غير المدمر للفيروسات، وهو الجانب الذي يعمل على مستوى النانو، والذي يعتبر مستقبل الطب والصناعة، وعلى الرغم من أن الفيروسات مؤذية، إلا أن أبحاث بلشر فتحت الطريق لمستقبل حيث يمكن لهذه الفيروسات أن تساعد أكثر من أن تدمر.