2 دقيقة، 18 ثانية

يُعَدّ العسل من الأشياء الفريدة من نوعها، فعلى عكس بقيّة الأطعمة إنه لا يفسد. تمّ العثور على أقدم عيّنةِ عسلٍ في مقبرة أحد المصريين القُدامى، ويعود تاريخُها إلى ما يقارب ثلاثة آلاف عام، وكانت لا تزال صالحةً للأكل.
إذن، ما الذي يجعل العسل هكذا؟

في البداية، ولكشف أسرار العسل، دعونا نتعرف على كيفية تكوّنه.
يُشتَقّ العسلُ من رحيق النباتات الذي يتكوّن من خليطٍ من سكريات وبروتينات مختلفة وبعض المركبات الأخرى في محلول مائيّ. تختلف كلٌّ من مكونات الرحيق والمركبات الكيميائية بداخله حسب النبات الذي أُخذ منه، إلا أنّ سكر السكروز غالبًا ما يكون هو السكر السائد.

يقوم النحل العامل بجمع الرحيق من الأزهار، ثم يقوم بتخزينه في معدة العسل (منفصلة عن المعدة الطبيعية) لديه، ثمّ بعد ذلك يختلط الرحيق مع الإنزيمات التي تُفرز من الغدد الموجودة لديه، والتي تقوم بتكسير السكروز إلى نوعين آخرين من السكريات هما: سكر الجلوكوز، وسكر الفركتوز. هذان النوعان من السكر متشابهان في التركيب الكيميائي، ولكن يختلفان في طريقة ترتيب الذرات في المركب.

وبمجرّد عودة النحل إلى الخلية، يقوم بتمرير الرحيق إلى النحل المنزلي الذي يقوم بتقيؤ الرحيق وإعادة شربه مرة أخرى  لمدة 20 دقيقة، وذلك ليتمّ خلط الرحيق مع الإنزيمات، عند هذه المرحلة تكون نسبة الماء حوالي 70%. وللحصول على اللزوجة المعروفة للعسل يقوم النحل المنزلي بإيداعه في أقراص العسل، وتتم عملية تبخير الماء عن طريق تحريك أجنحتهم فوق الأقراص، وذلك لتسريع عملية التبخير في مدة تتراوح بين يوم إلى ثلاثة أيام. بعد عملية تبخير الماء التي يقوم بها النحل، تصل نسبة الماء في العسل إلى 17%.

والآن، وصلنا للسرّ الأول!
إن كميةَ الماء في العسل هي العامل الأساس لكي لا يفسد، حيث إنه عندما يكون محتوى الماء يساوى 17% لا تستطيع البكتريا والفطريات النمو.
وأيضًا، النشاط المائي (water activity) للعسل قليل، والنشاط المائي هو مقياس لكمية الماء في المادة التي تسمح بنمو الميكروبات، ويقاس نشاط الماء على مقياس من 0 إلى 1.
مع عدم قدرة معظم البكتريا والطحالب على النمو في نشاط مائي أقل من 0.75، فإنها لا تنمو في العسل حيث النشاط المائي يساوى 0.6.
عاملٌ أخر يُجنّب العسلَ الفساد هو نسبة الحموضة (PH) التي تساوي حوالي 4، والتي تنتج من تداخل العديد من الأحماض، وهي حمض الفورميك وحمض الستريك وحمض الجلوكونك، لكن الحمض السائد هو حمض الجلوكونك الذي ينتج من تفاعل إنزيمات النحل مع بعض جزيئات سكر الجلوكوز في العسل، وهذا يعزّز من خصائصه المضادة للبكتريا، حيث إن البكتريا تُفضِّل النمو في بيئة متعادلة عن النمو في بيئة حامضية.
كما ينتج من تكوُّن حمض الجلوكونك بيروكسيد الهيدروجين، والذي يعمل أيضًا على منع النمو البكتيري.
ومن الجدير بالذكر أن الخصائص المضادة للبكتريا الموجودة في العسل تجعله مناسبًا لعملية تضميد الجروح.

في بعض الأحيان نجد أنّ العسل يتجمد أو يُكوِّن بلورات، لأن المحتوى المائي له ضعيف، إذ أنه يعد محلولًا عالي التشبع بالعديد من السكريات، لكن مع مرور الوقت يترسّب سكر الجلوكوز في المحلول مكونًا بلورات صلبة. ومع ذلك، يظل صالحًا للأكل، حيث لإعادة العسل لطبيعته يمكن وضعه في ماء ساخن لبضع دقائق.