2 دقيقة، 34 ثانية

على مرّ التاريخ، كانت ممارسةُ الطب تقليديةً إلى حدّ كبير. وإلى اليوم، يجب علينا عادةً الانتظار حتّى ظهور الأمراض ثمّ محاولة معالجتها. ونظرًا لأننا لا نفهم تمامًا العوامل الجينية والبيئية التي تسبّب الأمراض الرئيسة مثل السرطان، والزهايمر، والسّكّري، فإنّ جهودنا في علاج هذه الأمراض قد تكون غير دقيقة وغير متوقّعة وغير فعّالة.

حيث أن أفضل العلماء والأطباء في العالم لا يزالون لايعرفون تمامًا كيف يُصاب الأشخاص المختلفون بالأمراض وكيف يستجيبون للعلاجات. ونتيجة لذلك، يتمّ تقديم الرعاية الصحية على نهج “مقاس واحد يناسب الجميع” (one-size-fits-all)، وغالبًا ما تحدث بعض الأخطاء في هذه الممارسة التقليدية، لأن التركيب الجيني لكل شخص مختلف عن الآخرين.

إذاً ما هو الحل؟! الحلّ يكمُن في تقديم الرعاية الصحية على أساس الطبّ الدقيق والمعروف أيضًا باسم الطب الجيني (precision,Genomic, Personalized medicine)

ما هو الطب الدقيق؟
هو أن يتمّ تقديم وتخصيص الرعاية الصحيّة لتناسبَ التركيبَ الجينيَّ الفريد لكل شخص، ومن خلال الفهم الجيني للمرض. ولا يشمل الطبّ الدقيق دراسة الجينوم فحسب، بل يأخذ في الاعتبار أيضًا عوامل أُخرى مثل المكان الذي يعيش فيه الشخص، وماذا يفعل، والتاريخ المَرَضيّ للأسرة، وذلك لهدف تطوير أساليب الوقاية والعلاج، لمساعدة الأفراد على البقاء بصحة جيدة أو التحسّن بدلاً من الاعتماد على الأساليب نفسها للجميع. في عام 2018 تمّ إطلاقُ أكبر دراسة بحثية عن الطب الدقيق في الولايات المتحدة، وشارك في هذه الدراسة مليون شخص.

ما دوره في تحسين مستوى الرعاية الصحية في المستقبل؟
إنّ ظهور الطب الدقيق يجعلنا أقربَ إلى رعايةٍ صحيةٍ أكثر دقة وقوة مخصصة لكلّ مريض، حيث إن فهمَنا المتزايد لعلم الوراثة وعلم الجينوم، وكيف يقودان الصحة والمرض والاستجابة للأدوية لدى كل شخص سيمكّن الأطباء من توفير وقاية أفضل من الأمراض وتشخيصات أكثر دقة، ووصفات عقاقير أكثر أمانًا، وعلاج أكثر فعّالية للعديد من الأمراض.

 يعاني المرضى من تغيّرات جينيّة تؤدي إلى نمو وانتشار بعض الأمراض مثل السرطان، وتختلف هذه التغيُّرات بشكل كبير لكلّ مريض خلال المراحل المختلفة. حاليًا، قد يكون العلاج مزيجًا من الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي، اعتمادًا على نوع السرطان وحجمه ومراحله. ومن خلال تعقّب التغيرات الجينية، يمكن للطب الدقيق أن يساعد في وضع خطط علاج شخصية محددة، مع بعض الأدوية التي ثبت أنها أكثر فاعلية مع تركيبات وراثية محددة. (specific genetic profiles)

في العادة، يتمّ اختبار الأدوية والعلاجات على مجموعات سكّانية واسعة، ويتم وصفها باستخدام متوسطات إحصائية. وبالتالي، فإنهم يجدون نفعًا مع بعض المرضى ولكن ليس مع كثيرين آخرين، بسبب الاختلافات الجينية بينهم. في المتوسط، أي دواء موصوف طبيًا متوفر الآن في السوق فإنه يحقق فاعليته فقط لنصف أولئك الذين يتناولونه! لذلك، نحتاج جميعًا إلى تلقّي علاجات مصمّمة لعلم وظائف الأعضاء ونوع الجسم الخاص للأفراد، وإن مجرّد عامل تقليل وقت العلاج والآثار الجانبية البسيط سيكون له تأثير كبير على الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ لأي فرد في كلّ من الدول النامية والمتقدمة.

بدأ الطب الدقيق (الجيني) باعتماده على التركيب الجيني الفريد لكل مريض بالتغلّب على قيود الطب التقليدي، إذ يسمح بشكل متزايد لمقدمي الرّعاية الصحية بما يلي:
1- تحويل التركيز في الطب من رد الفعل (عند ظهور المرض بمعالجته) إلى الوقاية من المرض.
2- توقُّع القابلية للإصابة بالمرض.
3- تحسين الكشف عن المرض.
4- استباق تطوّر المرض والحدّ منه.
5- تخصيص استراتيجيات الوقاية من المرض
6- وصف أدوية أكثر فعالية، وتجنب وصف الأدوية ذات الآثار الجانبية المتوقّعة.
7- تقليل الوقت والتكلفة ومعدل الفشل في التجارب السريرية الصيدلانية التي تضخم تكاليف الرعاية الصحية .