2 دقيقة، 47 ثانية

لا يمكن توقُّع وقتِه أو كيفيّةِ حدوثه، اختبارُ ماهيته أو حتّى تفاصيله لنقل التجربة والمعلومات بشأنه للأحياء، ولهذا يبقى الموتُ والاحتضارُ مثارَ سؤال واستفسار للبشرية قاطبة. يقول العلماءُ إن الموت -مثل الحياة- هو “عملية”، وهذه العملية تخضع لمراحل وعوارض وحالات.

في مسار حياتنا لا بدّ وأننا اصطدمنا بإحدى حالات الاحتضار التي يقترب فيها أحد معارف المحتضر منه ليلقّنه في أذنه ما قد يكون “كلمته الأخيرة”، أو ليقصَّ عليه كلاما لطيفًا يعبّر عن حبّ ودعاء الجميع له، وهذا الشعور الذي يدفعنا للتحدّث معه وكأنه ذاهب لا محالة بصورةٍ قطعية، وأن لحظاته الأخيرة هذه ما هي إلا حدس بقرب أجل هذا الشخص ممن حوله له ومن ذاته له.

وقالت الدكتورة “نينا أوكونور” -مديرة الرعاية التلطيفية في النظام الصحي بجامعة بنسلفانيا: “غالبًا ما يركّز الأشخاص “المحتضرين” بشدّة على أُسَرٍهم وعلى الأشياء التي من المهمّ بالنسبة لهم القيام بها قبل وفاتهم”.

ووصفًا لمراحل الاحتضار المنتهية بالموت، فإنه في حالات الموت الطبيعيّ الناتج عن التقدّم بالعمر المصاحب للاعتلالات، فمن الشائع أن ينسحبَ الشخصُ اجتماعيًا في الأشهر التي تسبق الموت؛ كأن يكونَ الشخصُ أقلَّ اهتمامًا بأنشطةٍ معينة، مثل العمل أو التجمّعات الاجتماعية. علاوةً على ذلك، يميل الناس إلى امتلاك طاقة أقلّ في نهاية حياتهم، هذا الإرهاق يدفعهم إلى النوم أكثر، ناهيك عن فقدان الشهية الذي لوحظ أنه ينتج بسبب إنتاج أجسامهم المزيد من “الكاتيكولامين”، وهي مادة كيميائية في الدم تُثبّط الشهية. بالإضافة إلى بطء الحركة وانعدام القدرة على الممارسات اليومية لينتهي به الأمر بالوصول لأقصى مراحل الاحتضار الفعلية.

وعن حالة المحتضر العقلية؛ استطاع علماء الأعصاب بجامعة كولومبيا البريطانية إثباتَ قدرة المحتضرين على سماع ما يدور حولهم حتى وإن كانوا في حالة عدم الاستجابة للبيئة المحيطة بإجراء تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وخلال دراسة نشرت في مجلة “Scientific Reports”، قاست الدراسةُ النشاطَ الكهربائي لأدمغة المصابين في مستشفى “سانت جون” قبل وبعد دخولهم في مرحلة عدم الاستجابة، وأُجريت ذاتُ التجربة أيضًا لأدمغة مجموعة من شباب أصحّاء وصغار سِنّ، ووُجد أنّ الاستجابة السمعيّة في أدمغة المحتضرين هي ذاتُها في أدمغة الشباب الأصحّاء، ما يدلّ على أنّ أدمغةَ المحتضرين تستجيب للمؤثّرات الصوتية حتى في حالات فقدان الوعي في أثناء الاحتضار.

قبيل بدء عوارض الاحتضار يُصاب بعض الناس بحالة من التنفّس المسموع للعلن بسبب عدم قدرة الشخص على السعال أو ابتلاع الإفرازات التي تتراكم في الصدر والحلق حيث تُسمّى “خشخشة أو حشرجة الموت”. ولا يبدو غالبًا أن هذه الخشخشةَ تزعج المريض، لكنّها قد تكون مزعجةً لسمع الأحبّاء. وللتخلص من الخشخشة، قد يساعد في ذلك تغييرُ وضع المريض، أو شفطُ الإفرازات، أو إعطاءُ أدوية للتخلص من الإفرازات.

تحدّث العديد ممن كانوا على حافّة الموت ثم عادوا إلى الحياة عن تجربتهم بأنها شعورٌ بالرّهبة، وآخر بالنعيم والراحة، بالإضافة إلى الشعور بنفورٍ بسبب عودتهم إلى أجسامهم مرة أخرى عندما يعودون إلى الوعي.

عالمة الدماغ والأعصاب -الدكتورة جيل بولت تايلور التي مرّت بهذه التجربة خلال إصابتها بالسكتة الدماغية- وصفتها في كتابها “My Stroke Of Insight” قائلةً: ” لقد كان الفصُّ الأيمنُ من دماغي يتأرجح ما بين الوعي وانعدامه، بينما كان الفصُّ الأيسرُ يعاني من نزيف حادّ تصاعد بوتيرة هائلة خلال الساعات الأربعة الأولى. بوصولي إلى المستشفى، كان النزيفُ بحجم قبضة اليد. كنتُ في حالة ابتهاج لا واعية ممتعة طوال النهار، وبعدها استطعتُ أن أعود للواقع لطلب المساعدة، لقد كانت حالةً من الإدراك والجهل بالواقع المحيط بي” .

وعند سؤالها عن شعورها في تلك اللحظة وخوفها قالت: “لا، لم أشعر بالخوف قطّ، شعرت كأنّ الفصَّ الأيمن في حالة من السعادة، والفصَّ الآخر في حالة انشغال بمحاولة اكتشاف طريقة لإنقاذي مما أنا فيه.”

ومع كلّ هذا، يبقى الموتُ مجهولَ الهوية ومخفيَّ المعالم، لا يستطيع معرفتَه إلا من قام باختباره شخصيًا …