4 دقيقة، 27 ثانية

يُقال: “إنّ زلّةَ القدم أسلمُ من زلّة اللسان”، وذلك لما يمكن أن تسبّبَه تلك الهفواتُ اللفظيةُ من أذىً أو ضررٍ لسامعها، أو حتى لملقيها! إذ لا ينفع معها الندمُ في أحيان كثيرة. لكن، بعض زلّات اللسان تكون عفويةً، وغيرَ مقصودة، وضررها يكون أقل بكثير، شرط ألا تتمّ إساءة فهم مرتكب هذا الخطأ.
كم مرّة تلفّظت بكلامٍ عن غير قصدٍ سبّبَ لنفسك الإحراج ولغيرك الأذى المعنوي؟ وكم مرّة انزعجت من “زلات اللّسان” التي تفوّه بها آخرون أمامك -عمدًا أو عن غير عمد- فقرّرت ألا تحدّثهم في المستقبل؟ فما أسباب “زلّة اللسان”؟ وهل يجب أخذُ هذه الهفوات اللفظية على محمل الجدّ واعتبارها دليلًا دامغًا على حقيقة النوايا؟ أم تجب “مسامحة” الشخص واعتبار الكلام الصادر منه مجرَّد خطأ لفظي؟

إنّ زلاتِ اللسان تكاد تكون أمرًا محتّمًا، إذ تشير الدراساتُ إلى أن في كل ألف كلمة يتلفّظ بها الُشخص، فإنه يرتكب خطأً أو اثنين بالمتوسط. وبالنّظر إلى أنّ متوسط كلمات الحديث العادي يبلغ 150 كلمةً في الدقيقة، لا بدّ أن تحدث زلة اللسان كلّ سبع دقائق من الحديث المتواصل، وهذا يعني أنّ كل إنسان يرتكب يوميًا ما بين 7 و22 هفوةً لفظية أو زلّة لسان. لكن من زلات اللسان ما يكون متعمَّدًا ومقصودًا للإساءة إلى الآخرين، ومنها ما يكون فعلًا غير متعمَّد، ولا يُقصد منه الإساءة أو الإهانة أو التقليل من الآخر، لكنها في الحالتين تحدث في اللاوعي وقد تعكس دواخل الشخص ورغباته الدفينة أو لا!

في كتاب “علم أمراض نفس الحياة اليومية” الصادر عام 1901، يصف عالمُ النفس سيغموند فرويد زلاتِ اللسان بأنّها أفعال خاطئة أو خلل إجرائي، ويعتبرها بمثابة مرآة تكشف أفكارًا أو أمنياتٍ دفينةً في اللاوعي. قال إنه في أغلبية الحالات اكتشف تأثيرًا مقلقًا من خارج الحديث المقصود، وكتب فرويد موضّحًا أن “هذا العنصر المقلق هو عبارة عن فكرة في اللاوعي تخرج إلى النور عبر خطأ لغوي”. ويشير فرويد إلى ما تعكسه “زلة اللسان” هو الأكثر تعبيرًا عن دواخل الشخص مما يعكسه سلوكه الواعي، وهذا ما جعل العلماء يستحضرون زلة اللسان “الفرويدية” لشرح سلوكيات غريبة ومحرجة، مثل حالة السيدة التي التقت الصديقة السابقة لزوجها فابتسمت لها وقالت: “كم يسعدني قتلك” بدلًا من “كم يسعدني لقاؤك”، أو الضيف الذي يشكر مضيفه على هذا “العداء” بدلًا من “العشاء”. وبحسب تحليل فرويد النفسي الذي يعتبر أنّ زلات اللسان تعكس ما يجول في اللاوعي، فإن زلة اللسان التي ارتكبتها المرأة عكستْ رغبةً دفينةً عندها تجاه من كانت صديقةَ زوجها، والأمر نفسه ينطبق على الضيف الذي عبّر عن شعور دفين عبر استبدال حرف “الشين” بحرف “الدال” لينطق بكلمة “عداء”.

وفي العودة إلى كتاب “علم أمراض نفس الحياة اليومية”، يورد فرويد مثالًا واضحًا لفهم تفسيره وتحليله لزلات اللسان. يتحدّث فرويد عن خطأ ارتكبته السيدة (س) تجاه الرجل (ص)؛ فقد استغرب العالم النفسي أنّ السيدة (س) تتحدّث بحرارة عن السيد (ص)، في حين كانت أظهرت في السابق لا مبالاة وازدراء تجاهه، حيث قالت: “في الواقع لا أملك شيئًا ضده”، ثمّ أضافت: “لم أمنحه فرصة التقرّب مني”. ومن خلال استجواب هذه السيدة عرف فرويد أنه ربطتها بالسيد (ص) علاقة رومانسية، ونتيجة لذلك فهم أنه عند استخدامها كلمة “التعرّف” بدلاً من “التقرب” كشفت عن رغبتها الدفينة في الارتباط بالسيد (ص). لم يكتفِ فرويد بهذا المثال، بل ضرب أمثلةً عدة ليبين أنّ لكل زلات وهفوات الكلام بُعدًا داخليًا أعمق من كونها زلة أو هفوة؛ فهي نتيجة لتراكم وتسلسل أفكار عدة ونتائج نقلها العقل الواعي إلى منطقة اللاوعي التي هي خارجة عن مجال سيطرة العقل.

لهذا، ثمّة الكثير من المأثورات والأقوال المتوارثة التي تشدّد على ضرورة صون اللسان ولجمه، والانتباه إلى كل ما يتلفظ به الإنسان حتى لا يقع في الخطأ ويرتكب الهفوة التي قد ينجم عنها الكثير من المشكلات.

لكن هل كلّ زلّات اللسان تنتج عن أفكار مكبوتة؟
في الحقيقة، كان لأحد معاصري فرويد العالم بفقه اللغة رودولف ميرينغر تفسير أقلّ إثارة لزلات اللسان أو الهفوات، فقد اعتبرها ميرينغر “مجرّد أخطاء عرضيّة في مسار الجملة، أو تداخل ألفاظ بعضها في بعض، أو أخطاء في بنية الكلمات مثل تغيير ترتيب حروف الكلمات”. بالنسبة إلى ميرينغر الذي أصدر مجموعتين من الحوادث اللفظية، فإنّ “الخطأ هو خطأ، ولا يُقصَد به أمرٌ آخر”. ويبدو أنّ علماء اليوم يميلون إلى اعتماد تفسير ميرينغر لزلّات اللسان، فقد ركّزت الأبحاثُ الأخيرة على عمليّة إنتاج الخطاب، لا سيّما كيفيّة قيام الدماغ بترجمة الأفكار إلى كلمات. فبعض علماء اللغة وعلماء النفس يؤكّدون أنّ زلّات اللسان تكشف في الواقع عن قدرات الشخص ومهاراته في استخدام اللغة ومكوناتها. حسب تفسيرهم، إنّ المفاهيم والكلمات والأصوات تربط في ما بينها ثلاثُ شبكات عصبية موجودة في الدماغ: شبكة المضمون الدلالي، شبكة اللغة أو المفردات،  وشبكة الترجمة الصوتية، وينتج الخطاب عن تفاعل هذه الشبكات الثلاثة في ما بينها، إلا أنّه أحيانًا يحدث خلل ما في عمل هذه الشبكات يؤدي إلى تخبّطها ببعضها بعضًا فينتج عنها “زلة اللسان”.

ولتأكيد نظريتهم، يستخدم أولئك العلماء مثال فرويد نفسه عن السيدة (س) والسيد (ص)، شارحين أنّه من أجل أن يعبّر الشخصُ عن كلمة “تعرّف”، فإنّ دماغه يسارع إلى تشغيل شبكة المضمون الدلالي التي من الممكن أن تحتوي على أكثر من 30 ألف مفردة بحسب قاموس الشخص. وللوصول إلى كلمة “تعرف”، يتمّ تشغيل موصلات عصبية عدة لاختيار الكلمة ذات المعنى الأقرب ووضعها في إطار الجملة المستخدمة. بعد ذلك، تقوم الشبكة الصوتية بتشغيل الأصوات الدالة على هذه الكلمة كافّة؛ صوت حرف التاء، وصوت حرف العين، وهكذا دواليك، محاوِلةً إقصاء ذبذبات أصوات حروف أخرى. وحتى تكون كلمة “تعرّف” مستخدَمة بشكل صحيح في الجملة، فإن شبكة اللغة أو المفردات تبدأ عملها لاختيار الكلمة التي تكون من ناحية القواعد صحيحة في الجملة. وفي خلال هذه العملية المعقدة، يحدث أحيانًا أن تبدأ الشبكة الصوتية عملها قبل أوانها، فيتم انتقاء حرف قبل الآخر، كأن يستخدم حرف القاف بدلًا من حرف العين، أو حرف الدال بدلًا من حرف الشين، فتظهر “زلة اللسان”.