2 دقيقة، 23 ثانية

سواء أكنت من محبي الكعك بالشوكلاتة أو ذلك الذي تفوح منه رائحة الفانيليا، المحشو ب “الكاسترد” أو الأصلي المنتفخ، المغطى بالكريمة أو الذي يكسوه ال”غناش” وتعلوه الفواكه كمجهوهرات ثمينة، هذه الكعكة لن تثير إلا فضولك فقط!

عام 1789، ظهر الكيميائي الألماني “مارتن كلابروث” للعالم بأحد أهم وأغرب العناصر اكتشافًا؛ “اليورانيوم”، وهو عنصر فلزي أبيض يميل للفضي، وله خمسة نظائر: يورانيوم-235، ويورانيوم-234، ويورانيوم-233، ويورانيوم-236، ويورانيوم-238، ومن بين كل هذه النظائر يتصدر يورانيوم-238 و يورانيوم-235 قائمة الأهم بين هذه النظائر واللذان تدور حولهما الأمور.

يتواجد عنصر اليورانيوم الطبيعي بشكل معين، حيث تغلبه نسبة 99.284٪ من يورانيوم-238 ونسبة 0.711٪ من النظير يورانيوم-235، وإنّ اليورانيوم -235 هو فقط الذي يصلح لتشغيل مفاعل نووي لسهولة انشطاره وإنتاجه للطاقة.

 وحتى يصبح اليورانيوم جاهزًا للاستخدام في محطات الطاقة وللأغراض العسكرية يعرّض لعدة مراحل بدءًا من التعدين واستخراجه من باطن الأرض على شكل مكوّن ملتحم بالصخور، ليتم في هذه المرحلة تكسير الخام إلى قطع صغيرة ثم يتم تجميعها عن طريقة الطفو باستخدام حمض الفوليك أو أي سائل قلوي، ثم يتم تحميصها في الهواء حتى يتم تحويلها إلى الأكاسيد المقابلة، بعد ذلك يتم تصفيتها في مزيج من حمض الكبريتيك وبرمنجنات البوتاسيوم حتى نتأكد من أكسدة اليورانيوم الموجود بالخام جيدًا، ثم يتم ترسيب اليورانيوم بإضافة هيدروكسيد الصوديوم للخليط حتى يصبح لدينا مسحوق “اليورانيوم المؤكسد” في القعر والذي يطلق عليه اسم “الكعكة الصفراء”.
يمكن أن تختلف هذه الكعكة في تناسبها ولونها من الأصفر إلى البرتقالي إلى الأخضر الداكن (مائل إلى الأسود) اعتمادًا على درجة الحرارة التي يتم فيها تجفيف المادة، مما يؤثر في مستوى الترطيب والشوائب، وبالتالي الجودة.

هذه الكعكة المشرقة تعتبر المادة الخام لليورانيوم بشكلها المستخلص بوضع منفرد، غير أنها غير قابلة للاستخدام تبعًا لقلة وجود النظير 235 بصورة كبيرة وبالتالي صعوبة انشطارها لتكوين الطاقة المتولدة المطلوبة، لذلك توضع الكعكة الصفراء في براميل معدنية خاصة ويتم تحويل هذا المسحوق الأصفر إلى غاز يطلق عليه اسم “سادس فلوريد اليورانيوم UF6” ليوضع هذا الغاز في أسطوانات ضغط لمركزي تدور بسرعة تفوق سرعة الصوت، حيث تتجمع جزيئات يورانيوم 238 الأثقل نحو الجدار بفعل الطرد المركزي، في حين تتجمع أجزاء يورانيوم 235 الأخف والأهم إلى مركز الأسطوانة، وبتكرار فعل هذه العملية يتم تجميع يورانيوم 235 لرفع نسبته في خام اليورانيوم بحيث ترتفع النسبة من 0.7٪ إلى ما بين 3٪ و 5٪، وقد تزيد عن ذلك تبعًا للغرض الذي سيستخدم فيه اليورانيوم، وهذه العملية -التي تعمل على زيادة نظير 235 في اليورانيوم الطبيعي- هي ما تسمى ب “تخصيب اليورانيوم” التي ستنتج ما يعرف ب”اليورانيوم المخصب”؛ وهو عنصر حاسم لكل من محطات توليد الطاقة النووية المدنية لأغراض سلمية والعسكرية لإنتاج أخطر المنتجات دمارًا وفتكًا في العالم وهي “الأسلحة النووية”.

هذه العمليات العديدة والخطوات الرتيبة والوصفة المحضّرة بعناية تخرج لنا بكعكة ذات رائحة لا تثير شهيتك على غرار كعكة الشوكولاتة الذي يسيل لعابك طمعًا بها، وبخطوات أكثر خطورة ومرارة ومحاطة بعدة حوادث ابتداءً من إصابات المصانع وانتهاءً بخطر تسرب الإشعاع مقارنة بأكثر الأمور خطورة التي قد تتعرض لها عند صنعك لكعكة عيد ميلادك وهو حرق بسيط من فرن المنزل، فلا تجعل كل الكعك مثار لشهيتك!