2 دقيقة، 23 ثانية

جميعُنا يعرف هذه العبارةَ من إعلان “سنيكرز” الشهير، حيث يتصرف الممثّل بغرابةٍ بسبب جوعه، وبعد أكل “سنيكرز” سرعانَ ما يعود لطبيعته!
لا شكّ أن الإعلان يعبّر عنا أحيانًا، فجميعنا يعلم كيف للجوع أن يؤثّر على تصرّفاتنا -ليس دائمًا بدراماتيكية الإعلان- لكن هل هذا الرّبط الذي نتفّق عليه بين بعضُنا البعض هو مثبتٌ بيولوجيًا ونفسيًا؟

للجوع دورةٌ يشترك فيها الجهاز الهضميّ والعصبيّ والهرمونات المتبادلة بينهما، تبدأ بانخفاض مستوى سكر الجلوكوز بالدم، يرافقه انخفاضُ الأنسولين؛ مما يؤدي إلى إفراز هرمون الغريلين (ghrelin) الذي يؤدّي بدوره إلى إفراز سلسلة من الهرمونات تؤدّي في النهاية إلى زيادة شهيّة الفرد حتى يلبي حاجات جسده الغذائية، وبمجرّد استهلاكها وانخفاض السكر في الدم تبدأ الكرّة من جديد، وهكذا.
أحد الهرمونات الذي يحفّز الغريلين إفرازَها هو هرمون الكورتيزول الذي يُعَدّ أحدَ أهمّ هرمونات الإجهاد العصبي (stress hormones)، حيث يحفّز الكورتيزول الجهاز العصبي الودّي، مما يضع الجسم في حالة من الإثارة والتنبه، كما يؤثر أيضًا على مناطق الدماغ المسؤولة عن التحفيز، المزاج، والخوف!
ولكن حسب دراسة نشرتها الجمعيّة الأمريكية لعلم النفس، فإن الأمر يتطلّب أكثر من مجرّد هبوط في مستوى السكر في الدم ليجعل الشخص أكثر استثارة وغضبًا، هذا المزيج من الاستثارة العاطفية والجوع هو استجابة معقدة للتغيرات الفسيولوجية، شخصية الفرد، وسياق الموقف!

هدفت هذه الدراسة للبدء في فهم الميكانيكية النفسية القابعة وراء الحالات العاطفية التي يحفّزها الجوع، وهو أمرٌ لم يتمّ البتُّ فيه، مما جعله يستحقّ البحثَ والتجربة، ولتحقيق هذا الهدف أُجريَت في البداية تجربتان تضمّنتا أكثر من أربعمئة شخص، طُلِب فيها من المشاركين أن يشاهدوا مجموعةً من الصور المصمَّمة لاستثارة عواطف معيّنة، وأخرى محايدة، ومن ثمّ مشاهدة صورٍ لرموز صينيّة غامضة، وطُلِب منهم أيضًا أن يقيّموا مدى شعورهم بالجوع أثناء القيام بذلك.
اتّضح أنّ الأشخاص الأكثر جوعًا فسّروا الرموز الصينية بشكل سلبيّ أكثر إذا سُبِقت بصورٍ سلبيةٍ، بينما كانوا أقرب للحياد عندما سبقَتها صورٌ إيجابيةٌ أو محايدة، وهذا يُثبت أن السياقَ السلبي مقرونًا بالجوع يؤثر على الحالة العاطفية وتصوّر الأمور؛ إذًا فالأمر ليس متعلقًا فقط بالجوع نفسه!

ثم أُجريَت تجربةٌ أخرى طُلِب فيها من بعض المشاركين بأن يصوموا، وطُلِب من بعضٍ آخر أن يأكلوا جيدًا قبل التجربة، وطُلِب من أفراد كلتا المجموعتين أن يقوموا بتمرين كتابةٍ معيّنٍ لتوجيه تركيزهم نحو إدراك مشاعرهم، ومن ثمّ تعرّض جميعهم لموقفٍ غير سارّ مُعَدّ له مسبقًا، وعندما طُلِب منهم تعبئة استبيانٍ لتقييم التجربة كانت النتيجة كالآتي:
إن الأشخاص الجائعين الذين لم يتمّ توجيه تركيزهم تجاه إدراك مشاعرهم؛ وبالتّالي لم يكونوا على وعي تامّ بما يشعرون به، خاضوا مشاعر أكثر سلبيةً؛ كالتوتر والغضب وحتى الكراهيّة تجاه الموقف، وحكموا على من نفّذوا التجربة بالفظاظة، أمّا أولئك الذين كانوا أكثر وعيًا بما يشعرون به، فلم يظهروا هذا التغيّر الشعوري أو طريقة النظر للآخرين.

إذًا عزيزي القارئ أنت فعلًا أنت وأنت جائع، كلّ ما يحتاجه الأمر أن تكون مدركًا لجوعك وحاجتك الجسدية للطعام وواعيًا لما تشعر به.
فكّر بهذا قبل أن تصرخ في وجه أحدهم في المرّات القادمة بحجّة أنك جائع، وإن كنت أنت الضحيّة لجوع أحدهم داهمه بالحقيقة وأبطل حجته!