2 دقيقة، 12 ثانية

التوافقيّة هي أحد الأبعاد الخمسة التي يرتكز عليها النّموذج الخماسيّ للسمات الشّخصية؛ (الأبعاد الأخرى تضمّ: الانبساطية، العصابية، الانضباطيّة، والانفتاح على التّجارب). ويُعنى هذا البعد بقياس مدى تواجد صفاتٍ مثل الإيثار، إظهار الرعاية والاهتمام تجاه الآخرين، وتقديم الدعم العاطفي لهم، مقابل تواجد أخرى تشكل القطبَ السلبيَّ لهذا البعد، وتتضمن عدمَ المبالاة بالآخرين، العداء، الحقد، والغيرة …

لذا فالأشخاص الذين يحقّقون مستوى قليلًا على مقياس التوافقية يظهرون سلوكًا أقلّ تأييدًا للمجتمع، حيث يميلون إلى الجدال، ويركزون بشكل أكبر على احتياجاتهم الشخصية، حتى عندما تتعارض مع مصالح الآخرين؛ مما قد يجعل أقرانهم ينظرون إليهم على أنهم أنانيون إلى حدّ ما، فيتجنبون صداقتهم، ولا يثقون بهم.

ولكن، بناءً على دراسة قام بها مجموعةٌ من العلماء في جامعة جينيفا، فإنهم الرابحون عندما يتعلق الأمر بصحّة أدمغتهم!

لطالما كانت السّماتُ الشّخصيةُ، وتأثيرها على واقع الفرد محطَّ أنظار العديد من الدراسات؛ فمنهم من درس وعرّف علاقاتها مع التكيف في العمل، المرونة، العلاقات مع الآخرين، وحتى نسب الوفاة والإصابة بالأمراض (morbidity and mortality)، ولكنّ علاقتها بالتنظيم الماديّ للدماغ والأساس البيولوجي الدقيق الذي يقف خلفها ما زال قيدَ الدراسة، وسؤالًا مثيرًا للجدل!
ولعلّ ما يهمّنا أكثر هنا هو تأثيرها على الدماغ البشريّ بمجرد تشكلها ومرافقتها للفرد بينما هو يتقدم في العمر، تُرى هل من الممكن أن تزيد أو تقلّل من التغيرات الدماغية المصاحبة للتقدم بالعمر؟! أن تسرّع مثلًا أو تبطئ من معدل التغير الحجمي لمناطق الدماغ التي تستهدفها أمراضُ التحلّل العصبي؛ كالخرف والألزهايمر؟!
هذا بالضّبط ما أوضحه البروفيسور جياناكوبولوس ،Giannakopoulos وزملاؤه لأوّل مرة، عندما قاموا بدراسة مجموعةٍ من كبار السّنّ لعدة سنوات من خلال استخدام كلّ من تصوير الرنين المغناطيسي للدماغ، والتقييم النفسيّ المعرفيّ، وتقنيات أخرى، ليجدوا هذه العلاقة المرتَقبة بين التغّيرات الحجمية للدماغ والتقييم الذي حصل عليه المشاركون تبعًا للنموذج الخماسيّ للسمات الشخصية.

وهنا يأتي ما قد لا يتوقّعه الأغلبية:
إنّ الأشخاص الذين حققوا نتائجَ منخفضةً في مقياس التوافقيّة هم الأقلّ خسارة للنّسيج الدماغيّ؛ وبالتالي هم أصحاب الأدمغة الأكثر محافظةً على نفسها أثناء التقدم بالعمر.
يبدو أنّ عدم موافقة الآخرين هو ليس الشيء الوحيد الذي تفعله أدمغتهم!!
لكن لا تغرّرَنّ بك هذه النتائجُ، فقد أوضحت الدراسة أيضًا أنّ النتائج الأفضل على الإطلاق، هي لمن يجمعون بين قلّة التوافقية ومستوىً عالٍ من الانفتاح على التجارب.
لذا يجب عليك أن تتيح لنفسك الفرصة للتعرف على الاختلاف، حتى و إن لم تتّفق معه!
الجميلُ أيضًا في هذه الدراسة أنها لربّما تكون قد فتحت بعدًا آخر للعلاج والوقاية من هذه الأمراض، وكشفت زاويةً أخرى -غير تلك البيولوجية- للنظر إلى نشأة هذه الأمراض وتطوّرها.

يبقى السؤال الآن: بينما من الصّعب جدًا تغيير الشخصية جوهريًا في سنّ متقدّم، هل يستحقّ الأمر المحاولة في صغار السن؟ وهل التلاعب في تشكيل الشّخصية كعاملٍ وقائيّ -قد ينجح أو لا- تجاه مرض ما يُعدّ أمرًا أخلاقيًا؟!