2 دقيقة، 41 ثانية

ما هو الحَدْس؟ هل هو شعورٌ غريزي، صوتٌ داخلي أو الحاسة السادسة؟ بغض النظر عمّا نطلق عليه من مسمّيات، فإن الحدس يمكن أن يلعب دورًا حقيقيًا في عملية صنع القرار لدى الأشخاص.

عرّف الباحثون الحَدْس على أنه تأثير “المعلومات العاطفية اللاواعية” من الجسم أو الدماغ، مثل الشعور الغريزي أو الإحساس وأنه شكل من أشكال الذكاء اللاواعي (Unconscious intelligence).

حَيث قال عالم النفس والاقتصادي Daniel Kahneman -الذي فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد عن عمله في الحكم البشري وصنع القرار-: “يمكن النّظر إلى الحَدْس على أنه بصيرة تنشأ تلقائيًا دون تفكير واعٍ، واقتَرح أن لدينا نظامين مختلفين للفكر: النظام الأول سريع وبديهي، والنظام الثاني أبطأ من سابقه ويعتمد على المنطق.

النظام السريع، كما يقول أنه أكثر عرضة للخطأ، ولكنه قد يزيد من فرصة البقاء على قيد الحياة من خلال تمكيننا من توقع التهديدات الخطيرة والاعتراف بالفرص الواعدة. لكن نظام التفكير الأبطأ، يقوم بإشراك التفكير والتحليل النقدي وهو أقل عرضة لإصدار قرارات سيئة (غير صائبة).

وجد الباحثون في هذا المجال أن الأفراد ذوي الخبرة العالية يميلون إلى مقارنة الأنماط عند اتخاذ القرارات؛ أي أنهم قادرون على التعرف على التكرار والتشابه بين المعلومات المتاحة لهم وتجاربهم السابقة، ثم يتخيلون كيف يمكن أن يتصرفوا في هذه الحالة المعيّنة، ويمكّنهم هذا المزيج من اتخاذ القرارات ذات الصلة بسرعة وكفاءة وهو ما يعتبره الناس أنه الحَدْس أو الصوت الداخلي!

والآن دعونا نتساءل، هل الحَدْس أمرٌ عقلاني؟ درست Dr.Kamila Malewska من جامعة Poznán للاقتصاد والأعمال في بولندا الحَدْس في بيئات العالم الواقعي ووجدت أنّ الأشخاص غالبًا ما يستخدمون مجموعة من الاستراتيجيات، حيث سألت المدراء في شركة طعام كيف يستخدمون الحدس في عملهم اليومي، وذكر جميعهم تقريبًا أنهم بالإضافة إلى التحليلات العقلانية، استعانوا بمشاعرهم الداخلية عند اتخاذ القرارات. وكانت النتيجة أنّ أكثر من النصف يميل إلى الاعتماد على النهج العقلاني، واستخدم حوالي الربع استراتيجية مزجت العناصر العقلانية والبديهية؛ في حين أنّ حوالي الخمس يعتمدون بشكل عام على الحدس وحده. ومن المثير للاهتمام أن المدراء من المستوى الأعلى يميلون أكثر نحو الحَدْس! وتعتقد Dr. Malewska أن الحَدْس عملية أسرع وأكثر تلقائية تقوم بتدبير الموارد العميقة من الخبرة والمعرفة التي جمعها الناس على مدار حياتهم، وأنه قدرة يمكن تدريبها ويمكن أن تلعب دورًا بناءًا في صنع القرار.

يدرس الاقتصاديّان Marco Sahm من جامعة بامبرغ و Robert K. von Weizsäcker من الجامعة التقنية بميونخ مدى تحديد معرفتنا الخلفية فيما إذا كانت العقلانية أو الشعور الداخلي أكثر فعالية، ويعتبر كلٌّ من Sahm و Weizsäcker من اللاعبين الشغوفين بالشطرنج، وقد جلبوا هذه المعرفة لدراسة أبحاثهم. عندما كانوا أطفالًا، تعلم كلاهما بشكل حَدْسي عن طريق التركيز وتقليد تحركات خصومهم أثناء اللعب، وفي وقت لاحق، اقتربا من اللعبة بشكل تحليلي، من خلال قراءة كتب الشطرنج التي توضح التحركات الواعدة، ومع مرور الوقت أصبح Weizsäcker لاعب شطرنج جيد جدًا وفاز بجوائز دولية، وهو الآن يعتمد على الحدس!

ويقول كُلٌّ من sahm و Weizsäcker: “بمجرد أن يكون لدى الشخص خبرة كافية مع (المواقف) المشاكل ذات الصلة، فإن اتخاذ القرار البديهي الذي يعتمد على الخبرة المتراكمة من المرجّح أن يؤدي إلى قرارات فعالة ويعمل بشكل أفضل.

وبالنهاية، إنّ الحَدْس والعقلانية غير متناقضين، بل من الأفضل إتقان مهارات الحدس والتحليل، ولكن دعونا لا نتبع صوتنا الداخلي بصورة عمياء، ولا أن نُقلّل من شأنه.