لقد كتبتُ في مقالٍ سابقٍ عنوانُه “هل أنت مغناطيسٌ للبعوض؟” عن البعوض وأسباب مهاجمته لنا، وكما نعلم، إنّ البعوض ناقل للأمراض، ومن أكثر الأمراض انتشارًا بسبب البعوض مرض الملاريا، في هذا المقال سوف نرى ما دور التعديل الجيني على البعوض في مكافحة الأمراض وتقليل انتشارها.

ما هو التعديل الجيني للبعوض؟ وعلى ماذا يعتمد؟ وكيف يحدث؟
قام العلماء باستخدام تقنية CRISPR، والتي تُعَدُّ كمِقَصّ جزيئيّ يعمل على إحداث قطْعٍ في موضع محدّد من الحمض النووي، وهذا المقطع من الحمض النووي -والذي تمّ تعديله جينيًا- هو المسؤول عن التطور الجنسي للبعوض.

تم تعديل البعوض باستخدام “محرّك الجينات”، حيث أن العلماء -وللمرة الأولى- يريدون نشرَ الطفرة الجينية وإطلاقها، إن “محرّك الجينات” لا يتبع القواعد المعروفة في علم الوراثة؛ إذ إنه في العادة يتم نقل الصفات الجينية فقط لنصف الأجيال، أما في هذا الاختبار الخاصّ بالبعوض، فسيتم نشر التعديل الجيني ونقله لكامل النسل.

وهنا الذي سيحدث هو أنّ التعديل سيجعل إناث البعوض “أكثر ذكورة جنسيًا بطريقة ما”، ومن المعلوم أنّ إناث البعوض هي التي تعضّ الإنسان لتحصل على وجبتها من الدم اللازمة لإنتاج البيض للتكاثر، ومن خلال عضّتها للإنسان تقوم بنقل الأمراض المعدية، وأخطرها الملاريا. عندما يتمّ التعديل الجيني ونشره لكامل النسل، فإنّ الأعضاء التناسلية لدى إناث البعوض تصبح مشوّهة، مما يجعلها غير قادرة على وضع البيض، ويصبح فمُها شبيهًا بفم ذكر البعوض، وذلك يجعلها غيرَ قادرة على العضّ كالسابق، وبذلك تصبح غير قادرة على نشر طفيل الملاريا.

كما تمّ إنشاء مختبر خاصّ عالي الأمان في تيرني في إيطاليا، ببيئةٍ مشابهة للبيئة الطبيعية التي يتواجد فيها البعوض لأغراض هذه الدراسة.

يقول “توني نولان” الذي ساعدَ في تطوير البعوض في Imperial College في لندن: “إنّ الملاريا مشكلة ضخمة تؤثر على الأرجح على ثلثي سكان العالم”. إن مرض الملاريا يصيب أكثر من 200 مليون شخص كلّ عام، ويقتل أكثر من 400 ألف شخص، معظمُهم من الأطفال، بالإضافة إلى بعض الأمراض الأخرى؛ مثل الزيكا وحمى الضنك.

إن ثبت فعليًا أنّ التعديل الجيني على البعوض آمنٌ بشكلٍ كاملٍ، سيتمّ إطلاقُه في إفريقيا في القرى الموبوءة بالملاريا، ولكن هناك بعض المخاوف العميقة بشأن الآثار غير المتوقعة على البيئة.

تقول “دانا بيرلز” من قبل أصدقاء الأرض، وهي مجموعة بيئية تشكل جزءًا من تحالف دولي يحارب فكرة هذا الجيل الجديد من الكائنات المعدّلة: “هذه تقنيّة تجريبية يمكن أن تكون لها آثارٌ مدمّرة”. وكما يقول Nnimmo Bassey مدير مؤسسة صحة الأرض الأم في نيجيريا: “هذه تكنولوجيا لا نعرف أين ستنتهي، نحن بحاجة إلى إيقاف هذا الأمر في مكانه الصحيح”. “إنهم يحاولون استخدام أفريقيا كمختبر كبير لاختبار التقنيات الخطرة.”

إنه وبالرغم من الفائدة التي ذكرناها من عملية التعديل الجيني، إلا أنّ المخاوف من إطلاق الحشرات المعدّلة جينيًا في الطبيعة تنبثق من كونها قد تؤثر سلبًا على الاستقرار الطبيعي، والخوف من أن يتمّ في المستقبل ظهور بعوض مختلف جينيًا وذي سلوك غير مدروس، وما يمكن أن يحمله من أمراض جديدة؛ لذلك يعمل العلماء على التأني في إطلاق الجيل المُعدَّل إلى الطبيعة حتى يتمّ التأكد من ضمان وسلامة النتائج المطلوبة. أوصى Kevin Esvelt -المهندس التطوّري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT- العلماءَ مرارًا وتكرارًا بالتحرّك بحذر مع هكذا تكنولوجيا لأنها قوية جدًا، لكنّه يعتقد أن إدارة المشروع تتصرف بمسؤولية، وأنه بالرغم من كل المخاوف، يبقى الضرر الذي تُحدثه الملاريا أكبر بكثير من أي خطأ بيئي محتمل الحدوث، ويقول:”لو كان أطفالي يعيشون في أفريقيا، لقلت لهم اذهبوا إليها (هذه التكنولوجيا) في أسرع وقت ممكن”.

فما بين الاختلاف والاتفاق على هذا المشروع، يبقى الأهمّ أن يتم اتخاذ الحذر التام قبل إطلاق المشروع للطبيعة.