3 دقيقة، 8 ثانية

الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، أنت جالسٌ على مكتبك تقلّب صفحات الكتاب أمامك لتتجهّز لامتحانك غدًا، مررْت بالمادة جيئةً وذهابًا عدة مرات، وكلما رأيت أحدَ الأسئلة ارتجفْت عند الإجابة ووجدت صعوبةً في الاستذكار، يسرح خيالك لاحقًا بعيدًا، ماذا لو أنّ ذاكرتك خارقة وتستطيع تذكّرَ جميع تفاصيل ما درسته بقراءة واحدة فقط؟ ما الذي يمنعك من امتلاك ذاكرةٍ كهذه، وماذا قد تفعل بها؟ سمعْت مسبقًا عن أن هناك أشخاصًا يعانون من متلازمةٍ تُسمّى بمتلازمة فرط التذكّر، وتتمنى لو أنك تصاب بها ليومٍ أو اثنين كي تنجح في امتحاناتك!

ؤسفنا أن نفاجئك ونقول لك إن حتى هذه المتلازمة لن تساعدك في النجاح بطريقةٍ سحرية، وإنّ المعظم يفهمها بشكلٍ خاطئ، لذلك لنبدأ باستعراضها بطريقةٍ مناسبة معًا. متلازمة فرط التذكّر Hyperthymesia، أو الذاكرة السيرية-الذاتية بالغة القوة (HSAM) هي حالةٌ مرضيةٌ نادرةٌ مجهولةُ المصدر تجعل المصابين بها قادرين على تذكّر جميع الأحداث التي تحصل في حياتهم بدقة كبيرة -سواء كانت محادثات قصيرة أو مشاعر يشعرون بها أو أشخاص قابلوهم- مهما كانت هذه الأحداث صغيرة أو غير ذات تأثير كبير، فعندما تستعرض لهم تاريخًا معينًا يستطيعون خلال لحظات، ودون أيّ مجهود يُذكَر استذكار و”مشاهدة” جميع الأحداث التي حصلت لهم في ذلك اليوم داخل رؤوسهم.

سبب هذه الحالة ما زال مجهولًا حتى الآن، وغير معروف ما إذا كان وراثيًا أو جزئيًا، لكنّ المعروف هو أنّ هناك تغيرات على تركيب بعض مناطق الدماغ موجودة لدى المصابين بهذه المتلازمة تجعلها مختلفة عن التركيب الطبيعي؛ حيث إنه في دراسة نُشرت في المجلة الطبية Neurobiology of Learning & Memory’s قامت بدراسة عدة أشخاص مصابين بهذه المتلازمة، وقامت بدراسة صورٍ لأدمغتهم ومقارنتها بالطبيعي، أظهرت الدراسةُ اختلافات لدى جميع الأشخاص في الدراسة عن الطبيعيين في تسع مناطق مختلفة من الدماغ، بالإضافة إلى تركيز أكبر من المادة البيضاء وأكثر متانة في المناطق الأمامية ومنتصف الدماغ. معظم الاختلافات كانت في المناطق المرتبطة بالذاكرة السيرية الذاتية، أي المناطق المسؤولة عن تدوين الذاكرة بوصف متكاملٍ ودقيقٍ للأحداث التي تمرّ بالشخص، هؤلاء الأشخاص ليسوا أصحابَ ذاكرة خارقة مثل الذين يحفظون قيمة العدد باي pi بعدد كبير جدًا من الخانات، وإنما هم عكسهم تمامًا؛ فهم يتذكرون الأحداث الي يتعرضون لها ويعانون في حفظ المعلومات كالدراسة مثلًا!

في ٢٠١٦، كان عدد الحالات المسجَّلة والمصابة بهذا المرض هو ٦١ حالة حول العالم، ولعل أشهر المصابين بها هي الممثلة Marilu Henner والتي مثلت في المسلسل التلفزيوني Taxi الذي بدأ عرضه في عام ١٩٧٨. في مقابلة على برنامج Queen Latifa Show الذي يجري مقابلات مع العديد من المشاهير، تمّ إجراء مقابلة مع الممثلة وطرح عدة أسئلة عليها، حيث تمّ طرح عدة تواريخ عليها، وبدورها قامت الممثلةُ المصابةُ بهذه المتلازمة بسرد تفاصيل ما حدث خلالَ ذلك اليوم مباشرةً ودون مجهود يُذكر! ستجدون رابط المقابلة في المصادر طبعًا.
إذًا كيف يبدو المصابون بهذه المتلازمة؟ المصابون الذين تمّ توثيق إصابتهم بهذه الحالة كانوا من مختلف الأعمار ومجالات الحياة، وكذلك كانت نسبُ ذكائهم مختلفةً أيضًا، لكنّ بعض الصفات التي تمّ ملاحظة تكرّرها بنسب كبيرة بينهم هي أنهم يميلون نحو الشرود وإعادة استحضار ذكرياتهم القديمة كأنّهم يعيشونها لعدة مرات، وأن لديهم قدرة كبيرة على التركيز بشدة وعزل أنفسهم عن أيّ مشتّت في المحيط الخارجي حولهم عند التفكير بذكرياتهم، وبالمقابل أيضًا فإنه من الممكن تشتيتهم بسرعة من قِبَل ذكرياتهم الماضية ويسرع فقدانهم للتركيز للأشياء المعروضة أمامهم، فهم حالمون كثيرًا وأصحاب خيالات كبيرة. ولعلّ أكثر شيء مميز هو امتلاك معظم المصابين بهذه المتلازمة العديدَ من المُقتَنَيات التي يقومون بجمعها وترتيبها بعناية شديدة؛ الأمر الذي قد يتحوّل بدوره إلى اضطراب قهري.

متلازمةُ فرط التذكر قد تكون نعمةً ونقمةً في آن واحد؛ فالأشخاص المصابون بها يتذكّرون المواقف السيئة كما الجيدة، ويكونون غير قادرين على نسيان أيّ منها، فيتمّ تدريبهم وتعليمهم على محاولة استحضار الذكريات الجيدة أكثر من غيرها حفاظًا على صحتهم النفسية، ويتعلمون كذلك السيطرة على ذكرياتهم كي لا تكون عقبةً أمام تكوين أفكار جديدة.

وإن كنتَ تريد ممارسة اختبارات لذاكرتك، فأمامك عدة اختبارات لعدة مهارات متنوعة بإمكانك تجربتها في المصادر.