2 دقيقة، 58 ثانية

كان هنالك افتراض طويل الأمد في “صناعة الأدوية” أنه عند دخول جزيئات الدواء إلى الخلية، فإنها تنتشر عبرها بالتساوي، ويقول عالِم الأحياء (Rick Young): قد لا يكون ذلك بعيداً عن الحقيقة.
وتم اكتشاف أن المركبات الاصطناعية تقوم بتشكيل قطرات مركّزة داخل الخلايا يمكنها أن تهز تطور الأدوية! وبالذات أدوية السرطان كما أنها تساعد في عملية البحث عن علاج لفيروس الكورونا.

وفي دراسة تمّ نشرها في مجلة Science، أظهر Young وزملاؤه في معهد Whitehead في كامبريدج، أن مركبات أدوية السرطان تتركّز في نقاط دقيقة في الخلايا بسبب ظاهرة تسمى فصل الطور (phase separation) حيث تقوم جميع الخلايا بتقسيم محتوياتها. إذ تقود هذه الدراسة إلى استراتيجيات جديدة لتصميم الأدوية في مكافحة الفيروس التاجي الجديد، وفرصة لإعادة تشكيل فهمنا حول استقلاب الأدوية واستهدافها للخلايا، ويمكن أن تساعد في تفسير سبب فشل العديد من العلاجات التي يتم العمل عليها في المختبر وفي النهاية تفشل في علاج الناس!

يمكن للمواد البيولوجية، المكونات الخلوية، البروتينات وال (RNA) أن تنتظم ذاتيًا في قطرات شبيهة بالسائل تعرف باسم المكثفات (condensates) داخل الخلايا، مثل النقاط الموجودة في الحمم البركانية أو الزيت المهتز في الماء، حيث أظهر الباحثون سابقًا أن هذا التأثير يحدث في الجزيئات الطبيعية، لكن أحدث الأبحاث تكشف أن المركبات الاصطناعية يمكن عزلها بشكل انتقائي في قطرات بطريقة مماثلة. ويمكن استغلال هذه الظاهرة لجعل بعض الأدوية تحقق أهدافها بشكل أكثر فعاليّة مع الحد من السميّة غير المقصودة التي قد تسبب آثارًا جانبية ضارة. وإذا استطعنا البدء في فهم كيفية تميز هذه المكثفات بين الجزيئات الصغيرة، فيمكننا البدء في تطوير طرق للاستفادة من المكثفات الموجودة حتى نتمكن من علاج المرض بشكل أفضل.

ومن التّجارُب ذات الصلة:

أولاً: مجموعات سيسبلاتين ( Clusters of cisplatin):
في الدراسة، قام Young وفريقه بتتبُّع ديناميكيات خمسة جزيئات صغيرة من أدوية سرطان داخل المكثفات، فبدأوا باستخدام cisplatin (وهو دواء للعلاج الكيميائي يستخدم لعلاج عدد من السرطانات)، من خلال خلط سيسبلاتين بالبروتينات المعروفة لتكوين المكثفات في نواة الخلية، وأظهر الباحثون أنها تتجمع بشكل انتقائي داخل قطرات تتكون من بروتين منشط للجينات يسمى MED1، حيثما تم العثور على MED1، تم تجميع جزيئات سيسبلاتين وكانت تركيزات الدواء داخل المكثفات أكبر 600 مرة من تلك الموجودة في الخارج! كما وأظهر الباحثون أن MED1 يعمل بشكل رئيسي على الجينات التي تعزّز السرطان، لذا ينتهي المطاف بسيسبلاتين باستهداف نفس الحمض النووي مع ذراته البلاتينية السامة، وهو ما يصيب الخلايا السرطانية بشكل أساسي وبدقة أكبر. حيث يحاول الفريق الآن معرفة سبب دخول جزيئات الدواء إلى المكثفات. ويقول المؤلف المشارك في الدراسة Isaac Klein (أخصائي الأورام في معهد وايتهيد): “إذا استطعنا فهم المزيد عن القواعد الجزيئية، فقد نتمكن من تعديل الجزيئات الصغيرة حتى نتمكن من تركيزها في المكان الصحيح”.

ثانياً: المكثفات التاجية (Coronavirus condensates):

أمضى Klein وعالمة الأحياء الجزيئية Ann Boija في معهد وايتهيد، الشهرين الماضيين في تطبيق هذا العمل على محاربة SARS-CoV-2 الفيروس التاجي الذي يسبب COVID-19. وقد وجدوا في التّجارب غير المنشورة، أنّ ثلاثة بروتينات فيروسية رئيسية تشارك في النّسخ المتماثل لـ SARS-CoV-2 معًا في المكثفات (التي يمكنها امتصاص مركبات الأدوية وتركيزها).
هذه هي النتيجة التي نحتاجها لبدء فحص الجزيئات الصغيرة بحثًا عن قدرتها على تثبيط تكاثر الحمض النووي الريبوزي الفيروسي وتقسيمه بشكل انتقائي إلى مكثفات حيث يحدث هذا التكرار. الدواء الوحيد المضاد للفيروسات الذي أثبت أنه له تأثير على COVID-19 جزيء يسمى remdesivir.

يقول Mark Murcko، المدير العلمي في Dewpoint Therapeutics في بوسطن، إن فصل الطور “سيكون جزءًا من اكتشاف الأدوية من الآن فصاعدًا”، فتهدف Dewpoint إلى تطوير عقاقير تستغل بيولوجيا المكثفات عن طريق تعطيل المكثفات المتورطة في المرض، أو عن طريق التراكم في مكثفات محدّدة في الخلية.