2 دقيقة، 51 ثانية

في شهر أيار من العام الحالي ظهرت بعض الصحف العالمية -مثل نيويورك بوست وديلي ستار- مزخرفةً ببعض العنوانين التي تتعلق بما يُسمى “العوالم الموازية “، وورد مثلًا في صحيفة ديلي ستار :”عالمٌ مواز مجاور لعالمنا، حيث كل قوانين الفيزياء تعمل في الاتجاه المعاكس!” .

ربما قد يكون لمثل هذه العناوين شيء من المبالغة كنوع من وسائل جذب الاهتمام، فكما يرى بعض الخبراء بأن هذه المسألة برمّتها تتعلق بالطريقة التي تتفاعل معها الأجسام الصغيرة مع الجليد، أو ربما لأن الفكرة بحد ذاتها مثيرة للاهتمام؛ وجودك أنت ذاتك في الجهة المقابلة، شخص آخر منك أو أنت بذاتك، تخيل أنه بإمكانك أن تغير قرارك السيء الذي أصبحت نادمًا عليه طيلة عمرك في عالمنا الحالي لواحد وبديلٍ أفضل في عالم آخر! 

في الواقع يجب أن نعلم أنه وبهذا الحجم الواسع للكون، فإن ما يمكننا رؤيته أو التأثير عليه محدودٌ جدًا، ما يخبرنا به حدسنا وحده قد لا يعني شيئًا، وعدم وجود الدليل الحقيقي المؤكد لهذا الحدس قد يكون كافيًا لنفيه، ولكنه لا يعني أنه كل شي، فما زال ما نجهله أكثر بكثير.

إن ما أثار صيحة تدعيم فكرة “العالم الموازي” من جديد هو ما يعرف بأحداث “ANITA” -” ANtarctic Impulsive ،Transient Antenna وهي تجربة علمية حدثت في عام 2016 في القارة القطبية الجنوبية تتضمن اكتشاف الموجات الراديوية المنبعثة من جسيمات النيوترينوات عالية الطاقة من خلال تلسكوب ANITA؛ وهو تلسكوب لاسلكي، يمثل أول مرصد في ناسا من نوعه في رصد النيوترينوات.

رصد ANITA بعض الإشارات التي وُصِفت بأنها غير طبيعية مشيرة إلى جسيمات عالية الطاقة قادمة من سطح الأرض. أشارت بعض الصحف بأنه من الممكن أن تدل هذه الإشارات على وجود عالم وُلد بنفس الحجم للعالم الحالي من خلال الانفجار العظيم وموجود معه بالتوازي.

لكن يعود العلم ليخبرنا مجددًا بأن هذه الأحداث -على حتمية وقوعها بالفعل- لا تؤكد بالضرورة وجود عالم موازٍ أو فيزياء جديدة؛ فلا يعرف كذلك دليل حقيقي على مصدر هذه الإشارات أو الطاقة المنبعثة منها، كما أنه كما أشرنا سابقًا قد يكون السبب تركيب الجليد ذاته الذي اصطدمت به هذه الجزيئات وطريقة تفاعلها معه.

في الكون يوجد عدد كبير من الجسيمات التي ينبغي أن تتضاعف بشكل كبير في حالة وجود هذا التوازي، فضلًا عن أن عدد الأكوان -لو فرضنا جدلًا بصحة هذه النظرية- سوف يتضاعف بصورة أسّية لعدد كبير، وليس لكونٍ واحد بسبب الحالة التضخمية التي سبقت حدث “الانفجار العظيم”، والتي استمرت -ليس فقط لفترة طويلة- بل لفترة لا حصر لها؛ هذا يجعل عدد هذه الاكوان الموازية في حالة وجودها أيضًا لا حصر له -“لا نهائيّا “- ولكن بمعدل أسي معين كذلك، وعليه فإن تزايد هذه الاحتمالات وتضاعفها يقلل من إمكانية احتوائها جميعًا في الكون المتضخم الواحد.

ويجدر الإشارة بأن هذا التضخم -الذي إن كان أدى إلى احتمالية وجود هذه الأكوان الموازية- ليس بالضرورة أن يكون  بترتيب أو نظام محدد -كما هو الحال في كوننا- حيث ينتشر بشكل موجي بمرور الوقت يجعل بعض المناطق تتوقف عن التضخم والأخرى تستمر، والمناطق التي يتوقف عندها التضخم لا يمكن أن تتصادم أو تتفاعل، بل ستستمر بالابتعاد عن بعضها البعض. 

وحتى لو افترضنا وقوع كل هذه الاحتمالات، يبقى الاحتمال الأقل هو وجودك أنت بذاتك في كونٍ آخر -وإن وُجد- فلا يوجد ما يؤشر لحد الآن على احتمالية وجود نسخة بديلة عنك على سطح آخر، ولا يوجد ما يدل على مستقبل آخر لك في كوكب آخر، لذا فالأجدر حاليًا أن نحارب حتى النهاية لنغتنم كل الفرص الممكنة على كوكبنا مع إدراكنا لحقيقة جهلنا الكبير لتفاصيل الكون الذي يحويه.