4 دقيقة، 10 ثانية

ربما قد سمعت مؤخَّرًا عن وصول “الدبابير العملاقة ” إلى ولاية واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية شهر أيار من العام الحالي، ومن الممكن أنك قد سمعت أو قرأت في وسائل الإعلام الأمريكية خصوصًا بما يُسمّى ” الدبابير القاتلة “، تلك الدّبابير الأكبر حجمًا من نوعها في العالم، حيث تصل الى 2 انش في الطول!

في الواقع هذا النّوع من الدبابير لا يشكل خطرًا على الإنسان  فقط، بل وأيضًا على عائلات النحل التي تعاني عمومًا انخفاضًا في وجودها في الولايات المتحدة مؤخرًا، والعجيبُ أنه إلى الآن لم يتم تأكيد سبب وكيفية وصول هذا النوع من الحشرات الضخمة نسبيًا تحديدًا إلى واشنطن، لكن قد يتبادر إلى ذهنك الآن السؤال المحيّر هنا، إلى أيّ مدىً يمكن أن تشكلَ هذه الدبابير خطرًا بالفعل؟ هل من الممكن أن تشكلَ هذه الدبابيرُ آلةً خطيرةً حقًا ضد البشر؟ أم أنّ وجودها كوجود أيّ نوع آخر من الحشرات، وخطرها من الممكن ألا يتعدى الخدع الهوليودية في قاعات السنيما؟

يذكر Ted McFall، وهو أحد العاملين في قطاع تربية خلايا النحل لعقود في واشنطن، بأنّه وفي طريقه لفحص مجموعة من الخلايا قرب منطقة كستر في تشرين الثاني الماضي، قد استطاع أن يرى من نافذة سيارته فوضى من جُثَث النحل على الأرض أمام الخلية؛ الآلاف والآلاف من النحل، رؤوسها ممزقة عن أجسادها، ثم أدرك McFall بأنّ الجاني كان ما عرف لاحقًا بـ “الدبابير القاتلة “. يقول McFall: “لم أرَ في حياتي دبورًا بهذا الحجم من قبل”.

يبدو أن لهذه الحشرات سمعةً سيئةً حتى في منشئها الأصلي -اليابان وشرق آسيا- في تدمير مستعمرات النحل المكافحة والعاملة بجِدّ لتبقى على قيد الحياة، لكنّ هذه السمعة لم يكن هذا حدّها في السبب، بل الأخطر هو التسبب في الخطر الحقيقي للجنس البشري -كما للنحل- وصولًا للوفاة! في اليابان مثلًا يوجد بمعدل 30 إلى 50 شخصًا سنويًا يؤدي بهم الحال الى الوفاة إثر لسعتها القاتلة وسمها القوي. في عام 2013 في الصين، حيث كان وجودها بمعدل مرتفع آنذاك، تسببت بوفاة 42 شخصًا في مقاطعة صينية واحدة!

تشكّل هذه الدبابير العديدَ من المستعمرات التي يحوي كلّ منها الملكة والدبابير العاملة التي تبعث القلق بقدرتها على الطيران لأكثر من 6 أميال من الخلية بحثًا عن الطعام، أما القلق الأكبر، فهو يأتي من لسعتها التي من الممكن أن تبلغ ربع بوصة طولًا؛ لذا فهي من الممكن أن تخترق حتى تلك البدلات الواقية التي يرتديها العاملون في استخراج النحل من خلاياهم. وقد أظهرت بعض الأبحاث أن 50 لسعةً أو أقلّ كافية لإحداث تلف الكلى ثم الوفاة.

المشكلة الأكبر في هذه الدبابير -والتي تجعل منها خطرًا أكبر- هو حجمها كما تذكر عالِمةُ الحشرات ومديرةُ متحف بوهارت لعلم الحشرات بجامعة كاليفورنيا في ديفيس”lynn kimsey”؛ فهذا الحجم العملاق نسبيًا يعني كميةً أكبر من السُّمّ، وتأثيرًا أقوى، كما أن الأمر لا يتوقّف عند الحجم، تضيف kimsey بأن أعشاشها كبيرة، وتحتوي على أعداد كبيرة منها، وتتّصف بالعدوانية الشديدة حيث تقتل وتأكل مستعمرة كاملة من النحل .

رغم عدم وجود سبب مؤكّد لارتفاع نسبة الهجمات العدائية من قبل هذه الحشرات على البشر إلى الآن، إلا أنّ أحد أهم الأسباب المفتَرَضة هو تأثير الطقس، إذ يؤكد Huang Rongyao خبيرُ الحشرات في مدينة أنكانج في الصين، بأن شهرين من الطقس الحار جعلا هذه الحشرات أكثر نشاطًا، بالإضافة إلى نموّ نوعٍ ما من النباتات قد يمثل وسطًا محفزًا لنشاطها.

أيضًا انخفاض أعداد أعدائها الطبيعيين من العناكب والطيور يؤدي إلى تزايد أعدادها بالمقابل؛ وبالتالي احتمالية أكبر لتزايد الهجمات واللدغات من قبلها بفضل تواجدٍ أكبر لها.

بغض النظر عن الأسباب، في المحصلة، قد تمكّنت هذه الحشرات من أن تبني أعشاشًا لها تحت الارض، أو حتى في المباني السكنية، مما جعل الخطر قريبًا منا أكثر؛ فقد تخطّت مملكةَ النحل، وأصبحت تقترب أكثر لمملكتنا البشرية، ازعاجنا أولًا، أو الأخطر هو إذا ما تسبّبنا نحن بازعاجها؛ فقد يُطلِق ذلك العنانَ لهجومٍ شَرِسٍ منها. في الواقع يجب أن أخبرك عزيزي القارئ أنه قد تمّ تسجيل بعض الحالات التي قد تُعتَبر صادمةً وغير مبررة، كما حدث في جنوب الصين سابقًا، حيث هاجم سربٌ من الدبابير مدرسةً ما هناك، مما أدى إلى إصابة 30 شخصًا.

تقول kimsey :” “ربّما يموت الناس لأنهم لا يتلقون العلاج المناسب في الوقت اللازم”.

عمومًا من المهم أن نعلمَ أنه من الممكن جدًا السيطرة على جموح هذه الدبابير كما تحاول حاليًا الولايات المتحدة بالفعل من خلال الجهود المبذولة المتمثّلة بالتجهُّز لوضع مئات الفخاخ لفصل الصيف، واستخدام الأجهزة اللاسلكية لتتبّع أعشاشها وتدميرها. 

أخيرًا، ورغم أنّ المنشأ الاصلي لهذه الدبابير هو دول شرق آسيا، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن الخطر بعيد عن دول ما أو سيبقى منحصرًا في دول أخرى، فكما أنه لم يُعلَم تحديدًا كيف قد تمكنت من الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فليس من السهل التنبؤ بالحال مستقبلًا لدولة أو مكان آخر، لذا عزيزي القارئ من الجيد أن تتوخى الحذر في حال صادفت دبورًا ما، وإذا ما صادف وكان حجمه كبيرًا إلى حدّ ما، فلا تفكّر البتّة في إزعاجه أو الاقتراب منه.

وفي النهاية و مما لا شك فيه بأننا جميعًا سكان الأرض نأمل بأن تبقى فكرة غزو مثل هذه الحشرات لأي مكان على كوكبنا منحصرة في دور السينما الهوليودية فحسب.