4 دقيقة، 8 ثانية

ربّما تكون قد سمعتَ سابقًا جملةً مثل: “لا تملأ عبوة الماء البلاستيكية مرّتين”، أو ربّما مثلًا: “اقرأ الرّقم المختوم أسفل العبوة قبل أن تخاطر”، في الواقع بالرغم من هذين الرأيين، فإنه لا بدّ أنك قد رأيت أمامك من لا يفكر كثيرًا قبل أن يقوم بتعبئتها بالفعل لأكثر من مرة بدواعٍ صحية؛ كضرورة الترطيب المستمر للجسم عامةً، أو أثناء ممارسة الرّياضة، لكن ما مدى صحة ذلك؟؟ هل بالفعل من الممكن أن يكون ذلك مجرّد دعاية إعلامية ضدّ شركات صناعة العبوات البلاستيكية مثلًا؟؟ ويا ترى ما هو ذلك الخطر العظيم الذي قد تسبّبه عبوةٌ صغيرة من الماء كما يدّعي البعض؟!

في الواقع قد لا يكون الجواب عن هذه التساؤلات قطعيًا؛ أبيض أو أسود، لكن مما لاشكّ فيه أن العبوات البلاستيكية عمومًا هي صناعة عملاقة بحدّ ذاتها، وأنّ موادّ خاصّة من البلاستيك تستخدم في تصنيعها؛ إذ أنّ بعض المواد تشكل خطرًا على الإنسان والبيئة معًا في حال استخدمت في صناعة أيّ من العبوات البلاستيكية. هنا يأتي دور رقم التّدوير المطبوع أسفلَ هذه العبوات، والذي من المهمّ جدًا أن تطّلع عليه قبل أن تغامر فورًا بشرب الماء من عبوةٍ استُخدِمت لأكثر من مرة.

إنّ أغلب العبوات البلاستيكية التجارية تحمل رقم 1 أو 2 أو 7، ويعود السبب في ذلك إلى المنشأ التصنيعي لهذه العبوات، إذ أنه في الواقع كل رقم من هذه الأرقام يرمز إلى نوع خاصّ من المادة البلاستيكية المصنّعة لهذه العبوة، مثلًا؛ العبوة التي تحمل الرقم 1 تُصنَّع من مادة (polyethylene terephthalate (PET، التي تتميز بعدم احتوائها على مادة
(bisphenol A (BPA الموجودة في أنواع أخرى من المواد البلاستيكية، والتي – كما يراها بعض المختصين – مادةً ضارّةً للغاية في حال استخدمت في عبوات ماء الشرب؛ لقدرتها على التسرّب إلى الماء، ثم نموّ نوع من البكتيريا الخطيرة في شقوق الزجاجة، ممّا قد يؤدي إلى عواقبَ صحّيةٍ خطيرةٍ بالفعل. لكن على الرغم من وجود هذه الميزة لدى هذا النوع من العبوات، إلا أنه ما زالت مادة PET المصنّعة تحوي كمياتٍ قليلةً نسبيًا من مادة الأنتيمون التي قد تتسرب من الزجاجة الى الماء في حال تعرّضها للحرارة لفترة طويلة؛ مثلًا عند تركها في السّيارة في فصل الصّيف، والتي تُعَدّ مادة سامّة قد تسبب آلامًا في البطن، أو التقيّؤ، أو مشاكل أكثر جدية على المدى الطويل، لذا إن كانت عبوتك تحمل هذا الرقم ونسيتها في سيارتك عند ترجّلك إلى العمل، فحاذر أن تشرب منها مجددًا عند عودتك، وتخلص منها على الفور!

أما الأشد خطرًا، فهي العبوة ذات الرقم 7؛ ذلك لاحتوائها على مادة BPA التي تؤثر سلبًا على الدماغ، وسلوك الأطفال، وغدة البروستاتا في الأجنة ولدى الرّضَّع كذلك، لذا عادةً ما تُخصَّص لتصنيع العبوات الكبيرة للاستخدام الواحد. كن حذرًا في استخدامها، إذ أنها حتمًا ليست الخيارَ الجيّد لمياه الشّرب.

في إحدى الدراسات التي أُجريَت في جامعة نيويورك في فلوريدا -الولايات المتحدة الأمريكية- على 259 من العبوات المعبّأة لبعض الشّركات المصنّعة، قد وُجِد أن 93% من المياه داخل هذه العبوات قد لُوّثت بالبلاستيك الدقيق. لذا حتّى العبوات ذات الرقم 1 و2 -إن كان من المحتمل إعادة استخدامها- فلا بدّ أن تُراعى احتياطاتٌ معينة؛ كمكان وجود العبوة والظروف المحيطة؛ إذ لا يُنصَح البتّة باستخدام أي نوع من العبوات البلاستيكية حالَ ظهور علاماتٍ مثل الصدع أو الخدش على العبوة؛ لأن ظهور هذه الضربات على الزجاجة قد يشير إلى تسرب المواد الكيميائية في العبوة البلاستيكية إلى الماء، وبالمثل في حالة ارتفاع درجة حرارتها، حيث يساهم ذلك في تحلّل المادة الكيميائية، وتسهيل حركة انتقالها.
حاذر أن تعرّض عبوتك البلاستيكية للشمس مباشرةً إن كنت تنوي استخدامها مجدّدًا!

إنه لمن المهم جدًّا أن نضع في عين الاعتبار بأن الخطر -حتى مع أخذ الاحتياطات اللازمة- قد لا يزال قائمًا لهذه العبوات، حيث إنّ الخدوش في العبوة لا تقتصر على المرئيّ منها؛ فمن الممكن جدًا أن تكون مجهريّةً، أو أن تكون التمزّقات في التركيبة الداخلية للمادة البلاستيكية للعبوة، أي أنها لا تُرى بالعين المجرّدة.

علاوةً على ما سبق، إنه بالرغم من خلوّ بعض العبوات من مادة BPA ، يبقى الخطر موجودًا. يقول كينت آثرتون -الرئيس التنفيذيّ لتكنولوجيا PuriBloc- حول إعادة استخدام البلاستيك: “إنّه من الخطر اتخاذ استخدام العبوات البلاستيكية خيارًا صحيًا، حتى تلك التي لا تحتوي على مادة BPA، لا تُعدّ آمنة؛ إذ أنّ الشركات المصنّعة صارت تستبدلها موادّ استروجينية أخرى غير معروفة على نطاق واسع، والتي قد تشّكل الخطرَ ذاتَه على صحة الإنسان”.

أما البروفيسور ستيفاني ليبراتوري، فقد ذكرت في المجلة الأكاديمية The Science Teacher: “إنّ الأمر المتعلّق بعبوات المياه هو أن حالَها حالُ جميع حاويات المشروبات، تتلامس مع أفواهنا وأيدينا – التي هي مواطن لكثير من الجراثيم”.

عزيزي القارئ، إن قررت أن تكون صحيًا حقًًا، وكان دافعك في إعادة استخدام ذات العبوة البلاستيكية هو ضمان استمرارية الترطيب الفعّال لجسمك، فاعلم أن حمايته من الغزاة المتطفلين قدر الإمكان هو أولى ما يمكن القيام به، وإن لم يكن لديك خيار آخر غير إعادة استخدام عبوتك البلاستيكية، فاحرص على تنظيفها جيدًا بين الحين والآخر باستخدام الماء الدافئ، لا الساخن، وإن استطعت أن تستبدل العبوة البلاستيكية في فصل الصيف بعبوةً أخرى زجاجية، أو واحدة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، فسيكون جسمك -تمامًا مثل بيئتك- ممتنًا لك أكثر .