3 دقيقة، 5 ثانية

من بين الكثير من الكائنات الحية عادةً ما يكون الإنسان الأكثر تعقيدًا وإثارة للألغاز التي تحير العلم والعلماء، فطرائق عيشه تندرج تحت علمٍ يحمل في طيّاته المعرفة الغزيرة وهو علم الإناسة “الأنثروبولوجيا”. تدرس (الأنثروبولوجيا) الإنسان ومجتمعاته البشريّة زمانيًا ومكانيًا دون استثناء لأي منها، وتتضمن كل ما أبدعه الإنسان من عناصر؛ فكل ما هو نتاج الإنسان وعقله وتفكيره هو بمثابة سجل لتاريخ البشرية. اختلفت تصنيفات البشر لعلم الأنثروبولوجيا فالبعض يصنفها لثلاثة فروع وهي: الطبيعية “البيولوجية والتي تهتم بدراسة الجانب العضوي والحيوي للإنسان”، “الثقافية التي تهتم بمعرفة الجوانب الثقافية للمجتمعات البشرية في جميع أنحاء العالم، وعادة ما يركزون في أبحاثهم على الحياة الإجتماعية والسياسية”، و”الفيزيائية التي تدرس الآثار والعمارة”. كما يضيف البعض الآخر فرع رابع ألا وهو اللغويات “وهي طريقة تواصل البشر مع بعضهم البعض على مر العصور”. ولكن ما علاقة ما يدرسه هذا العلم الواسع بالبيئة ؟

مهما اختلفت تصنيفات علم الأنثروبولوجيا إلا أنها دائمًا ما تكون نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته، فمنذ حوالي مليوني عام أدت التغيرات المناخية إلى تقليل كمية الغابات وتوسيع الأراضي العشبية في أفريقيا، مما أدى إلى ازدياد أعداد السكان المبكر وتوسعهم الجغرافي، كما قاد الأنواع البشرية إلى التطور في الحياة المعيشية، فقد حرّر التغير المناخي أيديهم لصنع واستخدام الأدوات. كما ساهمت التغيرات المناخية اللاحقة بأكثر من ذلك، لا سيما التوسعات التي نجمت عن الانكماشات في الأنهار الجليدية المرتبطة بالعصور الجليدية، وبالتالي توسع الإنسان إلى أجزاء جديدة من العالم.

بتجاوز آلاف السنين نتقدم إلى ما قبل 10 آلاف عام حينما اكتشف الإنسان الزراعة وهي طريقة جديدة عميقة للتفاعل مع البيئة. فقد عدَّ العديد من العلماء أن زيادة الإنتاجية التي جاءت مع الزراعة كأساس للحضارة، بدءًا من سمحها للبشر بالعيش في مستوطنات أكبر والتخصص في الإنتاج الحرفي، وانتهاءً باكتشافهم للرياضيات والكتابة والعلوم.

إن قدرة البشر الأوائل على تشكيل المناظر الطبيعية، أولاً من خلال تشجيع النباتات البرية على النمو وبعد ذلك عن طريق زراعة المحاصيل وريها وتوطين النباتات والحيوانات تضعنا أمام تساؤل واستغراب من إشكالية علاقتنا بالكوكب في الوقت الحالي!

تكشف أسئلة علماء الأنثروبولوجيا المتعلقة بالأنظمة الغذائية والأدوات والعمارة البشرية عن كيفية تفاعل الحضارات القديمة مع بيئاتها. فعلى سبيل المثال، يدرس علماء الآثار التكرار النسبي لأنواع مختلفة من حبوب اللقاح وحلقات الأشجار على مدى آلاف السنين لفهم كيف تغيرت المناظر الطبيعية بمرور الوقت من خلال العمليات البشرية والطبيعية. كما درس العلماء كيفية محافظة الحضارات الأمريكية الأصلية على مناطق الصيد والممرات، وتجنب الحرائق الكارثية الناجمة عن البرق. ويدرس البعض كيفية استفادة الحضارات من الموارد المائية المحدودة بأقصى حد، أو استخدام الأرض دون استنزافها. ومن الممكن أن تقدم لنا دراسة تفاعل الإنسان مع بيئته امكانية الاستخدام الطبي لنبات معين وتطوره إلى علاجات صيدلانية جديدة. وقد يكون أنفع ما يعلمنا إياه ذلك السياق التطوري للسلوك البشري، مثل تطوير الفن والأدوات.

وعلى الوجه الآخر ترجح بعض الدراسات أن سبب انهيارات بعض المجتمعات السابقة كمدن هارابان في وادي نهر إندوس، ورابا نوي في جزيرة إيستر هو الممارسات غير المستدامة بيئيًا والتي تؤدي إلى إزالة الغابات، وتملح التربة وكذلك استنزافها. فمثلًا اكتشف علماء الأنثروبولوجيا انهيار عدد من مدن المايا بسبب افتقارها لنظم إدارة بيئية مناسبة، فبعد فحص عينات حبوب اللقاح من بحيرات مجاورة، قاموا بتحديد العلاقة النسبية بين وفرة الأنظمة البيئية المختلفة؛ مثل حقول الذرة وغابات الصنوبر ومرور الوقت. فوجدوا أن إزالة الغابات في المرتفعات مرتبطة بتزايد عدد السكان حول مدينة مايا في كوبان وكانت إحدى العوامل التي أدت إلى تدهور المدينة. فقد تم مسح الأرض لزيادة الإنتاج الزراعي، وحصاد الأخشاب لبناء المنازل، وتأجيج حرائق الطهي، وإنتاج الجير الذي تم استخدامه لصنع الجص لمشاريع البناء على نطاق واسع.

تواجه البشرية في الوقت الحالي تحديات هائلة مثل الاكتظاظ السكاني، والتغير المناخي فإذا قمنا بفهم البشرية وتفاعلها مع بيئتها بشكل صحيح وما آلت إليه إثر تعاملها معها. يمكننا إيجاد الحلول لتلك المشكلات والتحديات الملائمة لهذه التغيرات.