2 دقيقة، 7 ثانية

قد لا يوجد ما هو أكثر متعةً وإثارة من أن تجوب في حقب هذا الكوكب مستندًا إلى مواهب علماء فذّة وسعة أفق خلاقة نتج عنها أبحاث ودراسات ونظريات تفسر الظواهر الجديدة والقديمة التي حصلت على وجه الأرض. ففي دراسةٍ نشرتها مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم “journal Proceedings of the National Academy of Sciences” والتي أجراها فريق بحثيّ بقيادة عالِم الحفريات والطيور “David W. Steadman” لمقبرة أحفورية أسفل بركة ماء في جزيرة أوباكو -وهي إحدى جزر البهاما- التي تقع في المحيط الأطلسي شمال كوبا، واتضح من خلالها تسبب الإنسان في انقراض عدد من الحيوانات أكثر من تلك التي تسبب في انقراضها آخر عصر جليدي مر على كوكب الأرض! والسؤال الآن، كيف يكون ذلك؟

بمغامرة فذّة مهتديًا بالعلم والخيال النشط استطاع الغواص الخبير “Brian Kakuk” اكتشاف مقبرة أحفورية أسفل بركة في جزيرة أوباكو. فكان الجزء العلوي من البركة يتكون من تسعة أمتار من الماء العذب وأسفله خمسة أمتار من الماء المشبع بكبريتيد الهيدروجين الذي يسبب تآكل جسم الإنسان، وأسفله طبقة من المياه المالحة؛ لذا استعان الغواص بمعدات الوقاية واستطاع أن يلتقط صور فوتوغرافية مذهلة لهياكل عظمية للعديد من الحيوانات فاتحًا بذلك الطريق لفريق بحثي بقيادة “David W. Steadman” ليجري بحثه على الأنواع الحيوية على هذه الجزيرة.

أظهرت نتائج الدراسة أنه قد وجد على هذه الجزيرة 95 من أصناف الفقاريات (13 سمكة و11 زواحف و63 طائر) منذ العصر الجليدي الأخير حتى الآن. مرت الأرض منذ نشأتها بخمسة عصور جليدية رئيسية أولها العصر الجليدي الهوريوني الذي حصل قبل 2.4 مليار عام وآخرها العصر البليستوسيني الذي ابتدأ قبل ما يقارب 2.6 مليون عام وانتهى حوالي قبل 11 ألف عام.

39 من هذه الكائنات لم تعد موجودة على وجه الجزيرة، والمفاجأة كانت أن الكائنات الحية التي انقرضت بسبب انقضاء العصر الجليدي هي 17 كائن وهو رقم معقول بموازاته للظواهر التي صحبت الذوبان الجليدي كارتفاع سطح البحر 90 مترًا وتقلص مساحة الجزيرة ل15 مرة مما كانت عليه، وازدياد رطوبة التربة وانخفاض درجات الحرارة، فالظروف السابقة للذوبان كانت تلائم الكائنات الموجودة. أما ما تبقى -22 كائن آخر- فقد وصلت العصر الحديث (الهولوسيني) وعاشت خلاله آلاف السنين إلا أنها انقرضت حين وطأت قدم البشر الجزيرة قبل ألف عام بسبب الممارسات السيئة.


ولو لم تطأ قدم الإنسان هذه الجزيرة لكانت الآن تعج بكل من التمساح الكوبي، الإغوانا الصخرية وسلاحف البوري، فكائنات كهذه استطاعت مواجهة ظروف تغيّر جذرية خلال انقضاء آخر عصر جليدي وبالتأكيد ستتأقلم بالاستقرار.
العدد الأكبر من الكائنات الحية انقرضت في العصر الحديث، وهذا من شأنه أن يدفعنا للوقوف على تصرفاتنا التي لن تُبقي الكائنات الحية مستدامة ما إن وصلنا لعصر جليدي سادس.