2 دقيقة، 52 ثانية

استيقظ العالم عصر يوم الثلاثاء 4 أغسطس عام 2020 على سحابة عش غراب من الأدخنة المتصاعدة إثر انفجار في عنبر رقم ١٢ في مرفأ مدينة بيروت، والذي وصف بأنه كارثي؛ فقد أحال مدينة بيروت بين ليلة وضحاها لتكون مدينة منكوبة.

هذا الانفجار الذي حدث على مرحلتين مختلفتين من التصاعد في حدته، مخلفاً وراءه أعداداً مخيفة من الثكلى، الموتى، البيوت المدمرة، والشوارع الممسوحة المعالم.

كثر من لم يبقى لهم مأوى وكثر من لم يوجد لهم سجل، بل أضحوا مفقودين بلا أثر ليطلق على هذا الانفجار من رواد مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين فيه اسم “بيروتشيما” تشبيها بما جرى بكارثة هيروشيما اليابانية جراء القنبلة النووية.

هذه الأضرار امتدت إلى آلاف المنازل على بعد كيلومترات من موقع الانفجار، وكشفت الجهات الأمنية اللبنانية أن سبب الانفجار هو «مواد شديدة الانفجار» كانت مخزنة في المرفأ منذ سنوات التي تبين لاحقاً أنها مادة “نترات الأمونيوم”.

وتعد نترات الأمونيوم ملح مصنوع من الأمونيوم وحمض النيتريك وهو مركب كيميائي بلوري عديم الرائحة يشيع استخدامه كسماد زراعي نظرا لمحتواه العالي من النيتروجين -الضروري لنمو النباتات-، وحين يمتزج بزيوت الوقود يؤدي إلى تفجيرات، وكثيراً ما يتم اللجوء إليها في أعمال البناء والتعدين.

وبحسب ما ورد، فإنه قد تم تخزين 2700 طن أو حتى أكثر من 2900 طن، من نترات الأمونيوم في الميناء منذ عام 2014، حسبما ذكرت صحيفة واشنطن بوست، وأن مسؤولي الميناء حذروا من مخاطر تخزين الكثير من المواد الكيميائية المتفجرة في الميناء مسبقاً.

ولا تعد مادة نترات الأمونيوم في حد ذاتها قابلة للاشتعال، فيما لو تم تناسينا أن لها جانبا سلبياً قاتلاً؛ حيث يعتبر هذا المركب مؤكسد، بمعنى أنه على المستوى الذري يقوم بإزالة الإلكترونات من المواد الأخرى في عملية التفاعل الكيميائي. وما يعنيه ذلك من الناحية العملية هو أنه يزيد من حرق الوقود عن طريق زيادة الأكسجين المتاح لتلك الأنواع من الوقود، ولبدء هذا التفاعل، يجب أن تتلامس نترات الأمونيوم مع اللهب المكشوف أو أي مصدر اشتعال آخر. وفي حادثة بيروت، يشير الخبراء إلى أن هذا المسبب كان وجود ألعاب نارية محيطة في مادة النترات، ويعتبر هذا إشارة لسوء التنظيم في التخزين، ولهذا السبب يُفرض دائماً على عملية تخزينها قواعد صارمة بحيث تظل بعيدة عن الوقود ومصادر الحرارة.

بمجرد بدء التفاعل الذي ذكر اعلاه، تنفجر نترات الأمونيوم بعنف محدثة قوة انفجارية عنيفة تنتج جراء تحلل نترات الأمونيوم الصلبة بسرعة كبيرة إلى غازين؛ أكسيد النيتروز وبخار الماء.
تلك القوة المتفجرة من انفجار بيروت تسببت في موجة اهتزازية اجتاحت المدينة وتسببت في دمار يقارنه بعض الشهود بآثار القنبلة النووية في هيروشيما، وذكرت وكالة “أسوشيتيد برس” أن سحابة عيش الغراب البرتقالية التي اندلعت بعد الانفجار مباشرة يمكن أن تُعزى إلى غاز ثاني أكسيد النيتروجين السام الذي يتكون بعد انفجار بالنترات.

وهذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها نترات الأمونيوم في كارثة مميتة، حيث أنه في عام 1947 وقع حادث صناعي يعد الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة في ميناء مدينة تكساس. حيث أشعلت سيجارة ملقاة بلا مبالاة حريقًا على متن سفينة تحمل حوالي 2300 طن من نترات الأمونيوم المعبأة في أكياس ورقية. وعندما انفجرت المادة الكيميائية، تسببت في انفجار قوي بما يكفي لطرح الناس على الأرض في “جالفستون” على بعد 10 أميال (16 كيلومترًا).

تسبب هذا التفجير أيضاً في تفاعل متسلسل عندما انفجرت سفينة قريبة، تحمل أيضاً نترات الأمونيوم، مما أدى إلى اشتعال النيران في الخزانات الكيميائية ومصافي النفط بالقرب من الميناء، وقتل في الكارثة ما يقدر بنحو 581 شخصاً.

ليست كل الكوارث التي تنطوي على نترات الأمونيوم حوادث؛ ففي عام 1995 تم تعبئة الأسمدة في شاحنة مستأجرة واستخدمها الإرهابيون “تيموثي ماكفي” و”تيري نيكولز” لقتل 168 شخصاً في مبنى “ألفريد بي موراه” الفيدرالي في مدينة “أوكلاهوما”.