2 دقيقة، 37 ثانية

تتصدر النظرية النسبية لآينشتاين من جديد عناوين الأخبار العلمية؛ فقد ظهر دليل آخر يثبت صحتها بعد اكتشاف عدد من الباحثين -من فريق أوروبي في تشيلي- عبر مرصد “ESO” شكل أحد المدارات لنجم “S2” الراقص حول الثقب الأسود بعد ما يقارب 27 عام من تتبع حركته.

بدأ علماء الفلك منذ عقود في وضع ملاحظات جمة على أن مدار النجم “S2” لا يبدو شكله بيضوياً ثابتاً وإنما يحدث في مساره إزاحة يسيرة ترنو مقتربة نحو الثقب الأسود في أثناء إتمام دورته الكاملة “16 عاما”؛ مما يعني أن موقع أقرب نقطة له إلى الثقب الأسود العظيم تتغير مع كل انعطاف، مشكلةً شكلاً وردياً يشبه التراقص المنتظم وهذا ما يعرف باسم “حركة شوارزشيلد”.

كانت تلك الحادثة هي السبق الأول الذي تظهر فيه نتائج كارل شوارزشيلد حول ثقب أسود فائق الكتلة، والذي سبق وتماشى ظهوره مع النسبية العامة لاينشتاين عام ١٩١٥ التي تشير إلى أن مدارات الأجرام السماوية ليست ثابتة كما تقترح قوانين إسحاق نيوتن؛ التي تنص على أن الضوء المنبعث من النجم يتمدد إلى موجات أكبر بفعل الجاذبية الشديدة الناتجة عن الثقب الأسود؛ مما يؤثر على حركته.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يتم فيها رصد تغير مدار جرم ما، حيث كان آينشتاين بعد تمام عام على إطلاق نظريته الشهيرة قد بدأ تتبعاً دقيقاً لمدار كوكب عطارد الذي أظهر سيراً مشابهاً لما يحدث تماما مع “S2” القائم حول الثقب الأسود.
وتبسيطا لما يحدث فإنه وبحسب حسابات نسبية آينشتاين، عند اقتراب النجم “S2” من الثقب الأسود، فإن تأثير جاذبية الثقب الأسود العظيم يقوم بزيادة الأطوال الموجية للضوء الصادر من النجم إلى أطوال موجية أطول بالنسبة للمشاهد الموجود في مجال جاذبية أقل. وبذلك تحدث إزاحة للضوء الصادر من النجم أكثر باتجاه الطرف الأحمر للطيف الضوئي بطريقةٍ تتفق تماماً مع حسابات النظرية النسبية العامة التي وضعها آينشتاين. وتدعى تلك الظاهرة بـ الانزياح الأحمر “gravitational redshifting” والتي أصبحت منذ العشرينات مقياسا لتحديد أبعادالنجوم والمجرات عن كوكب الأرض.

وضّح عالم الفيزياء الفلكية “راينهارد جينزل” عبر مجلة “لايف ساينس” من معهد ماكس بلانك للفيزياء خارج الأرض (MPE) في ألمانيا قائلاً: “تتنبأ النسبية العامة لأينشتاين بأن مدارات جسم ما حول جسم آخر ليست مغلقة كما هو الحال في الجاذبية النيوتونية، لكنها تتسابق للأمام في مستوى الحركة”. كما وأضاف: “كان هذا التأثير الشهير -الذي شوهد لأول مرة في مدار كوكب عطارد حول الشمس- أول دليل لصالح النسبية العامة، والآن بعد مائة عام، اكتشفنا نفس التأثير لحركة نجم يدور حول مركز درب التبانة”.

كما وتم هذا الرصد الدقيق عن طريق كوكبة من العلماء باستخدام التلسكوب الكبير جداً التابع لمرصد “ESO”، وبدعم من أدوات ومستشعرات “NACO” و”GRAVITY” و”SINFONI”، والتي تُستخدم كأساس للمستشعرات تحت الحمراء والأشعة القريبة منها، كما وتتمكن من التقاط مصادر الأشعة تحت الحمراء مخترقة الغبار الموجود في حقل الجاذبية.

تُعد هذه النتيجة بوابة جديدة لفهم تشكيل وتطور الثقوب السوداء؛ كما صرح علماء الفلك “جاي بيرين” و”كارين بيراوت” -من جامعة غرونوبل الفرنسية-، وأنها ستساعد حتما في معرفة ماهية الثقب الأسود بشكل أفضل، حيث ستمكننا من استخدام مدار ذلك النجم لتحديد كتلة الثقب الأسود، ومعرفة تفاصيل معلومات أخرى عنه كموقعه بشكل أدق بعد أن أصبحنا على علم بوجود ثقب أسود هائل في منطقة كوكبة القوس “Sagittarius A” يحمل كتلة تقارب 4.3 مليون كتلة شمسية، ينتظرنا لنخوض أكثر في معلوماته اللامتناهي