3 دقيقة، 15 ثانية

النحل الطنان يكافح بقوة، اليراعات المضيئة التي رافقت أذهاننا منذ مشاهدة “The grave of the fireflies” لم تعد تضيء كما كانت، تقلصٌ ملحوظٌ في عدد الفراشات المرفرفة حول الحقول، وتحذير واضح في العديد من التقارير الأخيرة من انخفاضٍ ساحق في أعداد الحشرات الذي يمكن أن يكون له تأثير كارثيّ على بيئتنا وإمدادات الغذاء لدينا.

لعل ما يحدث ما هو إلا أحد أمنياتنا السابقة في الهلاك التام للزواحف والحشرات في أثناء تنزهنا صيفاً لننعم بتنزهٍ أكثر أماناً ووفيرَ الاستمتاع، ومع كل هذا، يبدو أنّ كل هذه التخيّلات الحالمة لن تجد طريقها للواقع، لأن وجود الحشرات أهم من زوالها، وسيكلفنا انقراضها أكثر مما قد يريحنا.
في السنوات الأخيرة السابقة قال باحثون أن العالم فقد أكثر من ربع حشراته التي تعيش على الأرض في السنوات الثلاثين الماضية، حيث أشارت العديد من الدراسات إلى فقدانٍ مقلق في أعداد اللافقاريات، وتوالت الدراسات إلى تأثير هذا الفقدان على مصير الوجود البشري بشكل أو بآخر على المدى البعيد.

وفقاً لدراسة حديثة في مجلة “science” العلمية، تختفي الحشرات بمعدل يقل قليلاً عن 1% سنوياً، مع اختلاف كبير من مكان إلى آخر وفقا للبيئة والظروف العامة فيها. هذا الانخفاض الذي ظهر مؤخراً في هذه الدراسة أقل مما وجدته بعض الدراسات المحلية سابقا ومتناقضٌ تمامًا مع الادعاءات التي سمعناها في دراسات 2019 بأن 40 في المئة من جميع أنواع الحشرات تواجه الانقراض، حيث أظهرت دراسات سابقة أن هناك انخفاضًا سنويًا بنسبة 2.5 في المئة في أعدادها في جميع أنحاء العالم، أو حتى أعلى في أنحاء أخرى.
معقباً على ذلك قال “van Klink” عالم الحشرات من المركز الألماني لعلم الأحياء والمؤلف الرئيسي للدراسة: “الخسائر العالمية الكبيرة تبدو حول المناطق الحضرية والضواحي وأراضي المحاصيل، حيث تفقد الحشرات طعامها”. وعلق أيضاً عالم الحشرات في جامعة ديلاوير”Douglas Tallamy”، أنه إذا قاد سيارته عبر الغرب الأوسط، حيث يفترض أن يكون هناك كثير من الفراشات والحشرات الأخرى، فلن يرى سوى الذرة وفول الصويا في صحراء الحشرات، وبشكل عام قال بعض العلماء الخارجيين إن النتائج منطقية، لكنهم يشعرون بالقلق إزاء أن الدراسة تفتقر إلى البحث والبيانات من بعض المناطق الكبيرة، مثل المناطق الاستوائية وأفريقيا.

في سياق هذا، تبني الدراسة الجديدة صورة توضح مدى أهمية حماية بيئتنا ووجوب إيلاء اهتمام وثيق لهذا الجزء الحيوي من المحيط الحيوي دون مبالغة في نتائج هذا الفقد على المدى القريب.
ومعلقا على الدراسة قال ” Nick Haddad” خبير الفراشات في جامعة ولاية ميشيغان، الذي لم يكن جزءًا من هذه الدراسة: “إن الانخفاض المستمر في الأرض بهذا المعدل سيكون كارثياً على الأنظمة البيئية وعلى البشر. الحشرات هي الملقحات، والأعداء الطبيعيين للآفات، والمحللات، بالإضافة إلى أنها حاسمة لعمل جميع النظم البيئية للأرض”.

وقالت الدراسة، التي كانت نتاج بحثٍ سابقٍ حول أكثر من 10000 نوع مع الأنواع في 1676 موقع مختلف وبعد 166 مسح شامل: ” إن انخفاض الحشرات هو الأسوأ في أمريكا الشمالية، وخاصة في غرب وسط الولايات المتحدة، وفي أجزاء من أوروبا، ولكن يبدو أن الانخفاض قد ازداد في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.”

ومع كل هذا، لا يزال السبب وراء هذا الانخفاض أيضًا موضوعًا لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث، حيث عانى النحل بشكل كبير من مبيدات الآفات والطفيليات والتغيرات المحتملة في المناخ، وهذا التنوع الهائل للحشرات يعني أنه من غير المحتمل أن يكون هناك تفسيرٌِ واحدٌ كافٍ للجميع. وأهم ما أظهره هذا التباين ارتفاع أعداد حشرات المياه العذبة مثل الذباب، واليعسوب، والبعوض، حيث وجد أنها تتزايد بأكثر من 1% سنويًا، وهذا أسرع حتى من اختفاء حشرات الأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك الحشرات المزدهرة في المياه العذبة هي نسبة ضئيلة من الحشرات في العالم.
ويعد ازديادها أمرًا غامضًا إلى حد ما، ويمكن أن يكون دليلاً على نجاح الجهود الجارية لتحسين جودة المياه.

وبشكل عام، فنتائج السيناريو المحتمل لاختفاء الحشرات لن تُسعد الجنس البشري، فهي طعام للطيور والزواحف الصغيرة والعديد من الحيوانات، وإن اختفت الحشَرات من الكوكب فإنّ طعام هذه الفئة من الكائنات الحية سيختفي، وستختفي هي كذلك في فترة قليلة، وستنهار السلسلة الغذائية شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى البشر.
وعليه، فلا تنزعج من صحبة النحل الطنان في نزهتك الصيفية!