3 دقيقة، 23 ثانية

هل سبق وتمعنت مطولاً في السماء في ليلة صافية محدّقاً بتجاويف القمر الواضحة آنذاك؟ تلك البقع الفاتحة والداكنة التي يمكننا رؤيتها عندما ننظر إلى القمر من بعيد ليست سوى تلميحات للتنوع الجيولوجي الغني الذي يمكننا العثور عليه في أقرب جار سماوي لدينا.
هذه اللطخات الساطعة والمظلمة على سطح القمر أضحت أكثر شمولاً الآن بعد أن جمع العلماء الخريطة الأكثر تفصيلًا لتكوين صخور القمر والتي ستساعد في شرح تاريخ جارنا الفضائيّ والذي يبلغ عمره 4.5 مليارات عام.

يبدو القمر بخريطته الجيولوجية الجديدة وكأنه يتلاعب بكرات الطلاء بحرب قذف لانهائية، وعلى الرغم من الانبهار الذي ستسلله الخريطة إلى داخلك بمجرد النظر إليها، ستكون الأخيرة بمثابة مخطط جيد للبعثات المستقبلية إلى القمر، وتوجيه رواد الفضاء نحو نقاط الهبوط المناسبة والمناطق التي تستحق المزيد من البحث العلمي بشكل أدق دون غيرها. حيث تم وضع الخريطة الرائعة لجيولوجيا القمر من قبل فريق من وكالة ناسا، ومعهد الكواكب القمرية في تكساس، ومركز علوم الجيولوجيا الفلكية في أريزونا، الذي تديره هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS).
هذه الخريطة تعطي شرحاً مفصلاً عن تكوين القمر حيث أن كل بقعة من الألوان تحدد نوعاً من الصخور المنفصلة أو تكويناً لراسب ما، بما في ذلك الحفر والأحواض وحقول الحمم القديمة. على سبيل المثال: “الألوان الداكنة، والمزيد من الألوان الأرضية تدل على تضاريس من نوع المرتفعات، ويشير اللون الأحمر والأرجواني إلى المواد البركانية وتدفق الحمم البركانية”، كما يقول الجيولوجي “James Skinner” الذي يشرف على إنتاج خرائط لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في فلاغستاف، أريزونا.
بالإضافة إلى ذلك، تم الجمع بين العديد من مجموعات البيانات القديمة والجديدة، وقام العلماء أيضًا بتوحيد أسماء الصخور والأوصاف والأعمار وإضافة معلومات طوبوغرافية أيضًا كمواقع الحفر، والشارات، والشقوق، والتلال، والأعطال، وجميع المخالفات الأخرى على سطح القمر.

يقول ” Justin Hagerty”، مدير علم التنجيم في USGS: “لقد كان جهدًا كبيرًا لفريقنا لإكمال هذه الخريطة الجديدة وجعلها سلسة”، ويكمل “لقد تم تنفيذ الكثير من الخرائط التاريخية من قبل مجموعات مختلفة وعلى المستوى الإقليمي”. حيث نتجت هذه الخريطة الدقيقة من استخدام العلماء لمعلومات جمعت من ست خرائط للقمر كانت متوافرة منذ بعثات “أبولو”، إلى جانب معلومات محدثة أتت بها بعثات الأقمار الصناعية الأخيرة التي أرسلت إلى القمر.
و تم بذل العديد من الجهود المتفانية للوصول إلى هذه الخريطة حيث أنه لإنتاج هذه الخريطة الرقمية الجديدة والكاملة لسطح القمر، أعاد العلماء رسم خرائط “أبولو” التاريخية لتوافق مجموعات البيانات الحديثة، ومن ثم أمكنهم الحفاظ على الملاحظات والتفسيرات السابقة التي زودتنا بها رحلات “أبولو”.

كان مشروع رسم الخرائط القمري هذا أكثر صعوبة من مجرد تركيب خرائط” عصر أبولو” معًا مثل قطع الألغاز واستخدام بيانات جديدة لتعديل التفاصيل بشكل جزئي، لأن حواف الخرائط الإقليمية لم تصطف وتتوافق سويا؛ حيث تم تمييز العديد من المعالم السطحية على الحدود بين الخرائط المجاورة بأسماء وأوصاف وأعمار غير متناسقة.
ونشأت هذه التناقضات لأن خرائط عصر أبولو تم إنشاؤها من قبل مجموعات بحثية منفصلة، ويمكن لفريقين مختلفين ينظران إلى نفس أجزاء القمر أن يفسروا ما رأوه بشكل مختلف. على سبيل المثال: ربما رأت إحدى المجموعات شيئًا مسننًا على السطح واعتبرته خطأ ما، في حين كان بإمكان فريق آخر قراءته على أنه جزء تم إخراجه أثناء تكوين فوهة.
وبالإضافة إلى جميع ما ذكر استعان العلماء بملاحظات وكالة استكشاف الفضاء اليابانية للحصول على معلومات حول النتوءات الموجودة عند خط الاستواء القمري، و استمدوا تضاريس القطبين الشمالي والجنوبي من مقياس الارتفاع الليزري المداري التابع لوكالة الفضاء الأميركية.

وصرّح “Jim Reilly “: “لطالما فتن البشر بالقمر ومتى يمكننا زيارته مرة أخرى”، وأضاف: “من المدهش أن تقدم هيئة المسح الجيولوجي هذا المصدر الجديد الذي قد يساعد وكالة الفضاء الأميركية على تخطيط بعثاتها المستقبلية للقمر”.
لذلك يعد استكشاف القطب الجنوبي للقمر أمرا مثيرا للاهتمام، وذلك لكونه أكبر بكثير من القطب الشمالي، وكذلك لاحتمالية وجود المياه في مناطقه المظللة بشكل دائم. إضافة إلى ذلك، يحتوي القطب الجنوبي على السجل الأحفوري للنظام الشمسي المبكر الذي قد يساعدنا في كشف الكثير.

وحول هذا، تُخطط وكالة الفضاء الأميركية في برنامجها المسمى “أرتيميس” (Artemis) -وهو برنامج رحلات الفضاء البشرية الذي يهدف لهبوط “أول امرأة ورجل تالي” على سطح القمر – للعودة الكبيرة إلى القمر مرة أخرى، وذلك بإرسال البشر لمنطقة القطب الجنوبي للقمر بحلول العام 2024 جاعلين مجتمع العلماء يقف متأهبا بانتظار سيل من المعلومات التي قد تؤسس لإقامة وجود مستدام على القمر!