4 دقيقة، 8 ثانية

باتت العديد من المجتمعات تعتمد في غذائها على أنواع محددة من النباتات، وتستمد طاقتها من أصناف قليلة جدًا بالنسبة للنباتات التي قد تحوي كميات متقاربة من الكربوهيدرات، وهذا يصب في مشكلة لا يستهان بها وهي انخفاض التنوع الحيوي في المزروعات والنباتات نظرًا لانخفاض الطلب عليها “أي سبب اقتصادي”.

منذ أن أُكتشفت الزراعة أي قبل حوالي 12,000 عام تغذى الإنسان على ما يقرب 7,000 نوع من النباتات، إلا أنه في السنين الأخيرة انخفض هذا الرقم كثيرًا فحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة العالمية حول التنوع الحيوي لعام 2019 ” أنواع المحاصيل الزراعية في حقول المزارعين في انخفاض مستمر لأن العالم يتجه نحو تبسيط النظام الغذائي رغم ما يترتب عليه من آثار سلبية على كل من الأمن الغذائي والتغذية والصحة.” على سبيل الذكر لا الحصر انخفض عدد أصناف الأرز المزروعة في معظم البلدان الآسيوية من عدة آلاف إلى بضع عشرات فقط؛ ففي تايلاند انخفض عدد الأصناف المزروعة من أكثر من 16,000 صنف إلى 37 صنف فقط، و50٪ من المساحة المزروعة بالأرز تُستخدَم لزراعة صنفين فقط.

بدايةً يقصد بانخفاض التنوع الحيوي الانخفاض بثلاثة أشكال: الانخفاض الجيني للصنف وهو أن تقل أنواع الصنف الواحد من النباتات، الانخفاض النوعي للصنف وهو أن تنقرض بعض النباتات انقراض تام أو لا يتم زراعتها فبالتالي لا يتم إنتاجها لغرض الاستهلاك، الانخفاض البيئي “الإيكولوجي” وهو انحسار البيئات المناسبة لنمو بعض النباتات.

لِمَ يعد التنوع الحيوي مهمًا جدًا؟
يسهم التنوع الحيوي بأشكاله في إنتاجية ومرونة النظم الغذائية والزراعية وتحسين سبل العيش وتحقيق الأمن الغذائي بطرق عديدة، لا سيما في ظل التغير المناخي. ويمكن تلخيص إيجابياته بالتالي: إن توفر مجموعة متنوعة من الأصناف الزراعية والسكان المتكيفين معها يسمح بالإنتاج -وحدوث العمليات البيئية المختلفة التي تدعمه- أن تتم في مساحة واسعة من المواقع المختلفة وفي أوقات مختلفة من العام. كالمناخات الجافة أو الرطبة أو الباردة أو الحارة وعلى ارتفاعات مختلفة وفي أنواع مختلفة من نسيج التربة وفي المناطق المختلفة في آفاتها.

يوسع التنوع في المحتوى الغذائي من نطاق الخيارات المتاحة من الأطعمة لتزويد الإنسان بنظام غذائي متوازن. فوجود أصناف متنوعة من النباتات (المزروعة بغرض الإنتاج) في ذات المنطقة إلى ظهور أوجه التكامل والتعايش. على سبيل المثال، داخل الحقول والغابات، يحقق الجمع بين الأصناف ذات الخصائص المختلفة (كطول الجذر وطرق التغذية وما إلى ذلك) إلى السماح باستخدام أكثر كفاءة للموارد. على مستوى المزرعة الواحدة أو بين المزارع المتجاورة، يخلق الجمع بين أصناف مختلفة من الإنتاج فرصًا لإعادة تدوير المواد التي قد تهدر أو تصبح ملوثات؛ كاستخدام روث الماشية كسماد للمحاصيل وبقايا المحاصيل كعلف للحيوانات. وعلى نطاق أوسع، قد تلعب الغابات أو المراعي دورًا حيويًا في تنظيم إمدادات المياه للمحاصيل أو مزارع الماشية.

يعد التنوع أحد أشكال الضمان. فإذا أدى الجفاف أو تفشي المرض إلى تلف محصول واحد أو انخفاض عدد الملقحات، وجود المحاصيل الأخرى يقلل من أثر الخطر المدمر على الإنتاج. وفي العديد من المجتمعات، توفر الأطعمة البرية خيارًا احتياطيًا عندما تفشل المحاصيل المزروعة يعتبر التنوع الجيني اللبنة الأساسيّة للتكيف خلال الانتقاء الطبيعي.

يمثل الحفاظ على التنوع الحيوي تزامنًا مع محاولة تلبية احتياجات السكان من الغذاء والألياف والوقود والخشب وغيرها من المنتجات من الأراضي الزراعية والمراعي والغابات والمسطحات المائية في العالم تحديًا عالميًا صعبًا؛ وذلك بسبب تحول أهداف استعمال الأراضي والمياه والتلوث والإفراط في الحصاد وانبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بالأغذية والزراعة.

على المستوى العالمي الجهة الدولية الوحيدة المسؤولة عن حل مسائل السياسات المتعلقة بإدارة جميع مكونات التنوع الحيوي ذات الصلة بالأغذية والزراعة هي هيئة الموارد الوراثية للأغذية والزراعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو). خلال العقود الأخيرة، أشرفت الهيئة على إعداد التقييمات العالمية للمحاصيل والثروة الحيوانية والغابات والموارد المائية للأغذية والزراعة. وفي الحالات الثلاث الأولى: أدت التقييمات إلى اعتماد خطط عمل عالمية متفق عليها دوليًا للموارد الجينية في القطاع المعني. وحاليًا تجري مناقشة استجابة سياسية محتملة لتقييم الموارد الجينية المائية، نُشرت في عام 2019.

في عام 2007، قررت الهيئة أن أنشطتها المستقبلية يجب أن تتضمن تقريراً عالمياً يضع جميع الأنواع الحيوية ضمنه، ليتم نشره على أنه حالة التنوع الحيوي للأغذية والزراعة في العالم(SoW – BFA). وبما أن هذه الأصناف تستخدم مباشرة في إنتاج المحاصيل والإنتاج الحيواني، فقد تم تغطية الغابات وتربية الأحياء المائية بالتفصيل في التقارير المذكورة. والهدف مستقبلًا هو أن يركز تقرير SoW-BFA بشكل أساسي على فئات أخرى من التنوع الحيوي- المرتبطة بشكل خاص بالتنوع الحيوي والنباتات البرية – والتفاعلات بينها.

أما على المستوى المحلي فقد أكد مدير إدارة المشاريع في وزارة الزراعة الأردنية المهندس خالد الحيصا المشرف على عدة مشاريع في الأمن الغذائي أن الموارد المتاحة من أراضي قابلة للزراعة ووفرة المياه ومدخلات الإنتاج وكلفتها هو الحاكم الوحيد في معادلة زيادة التنوع الحيوي في النباتات التي يتم زراعتها، وبالطبع دون صرف النظر عن أثر معدلات سقوط الأمطار وتبعات التغير المناخي.

نهايةً الأنواع الحيوية على وجه هذا الكوكب تجاوزت بعددها الآلاف وأن تنضب بسبب ممارسات نوع واحد مؤسف ولا يصب في مصلحة هذا النوع لا في المستقبل القريب ولا البعيد.

هذا التقرير نشر كجزء من مشاركة الكاتبة في ورشة الصحافة العلمية ومن خلال مشروع “العلم حكاية”، وھو أحد مشروعات معهد جوته المموَّلة من قبل وزارة الخارجية الألمانية.