2 دقيقة، 51 ثانية

أصبحت الموناليزا اللوحة الأكثر شهرة في العالم ليس فقط بسبب تفاصيلها الإبداعية، ولكن لأن المشاهدين الذين ينظرون إليها كانوا قادرين على الشعور بانخراط عاطفي معها، فما السر وراء ابتسامتها؟

الموناليزا هي لوحة فنية تعود للقرن السادس عشر لسيدة تُدعى Lisa del giocondo، رسمها الفنان الإيطالي Leonardo da vinci، وهي موجودة حاليًا بمتحف اللوفر في فرنسا، وكان Da vinci يُتابع دراسته في علم التشريح والميكانيكا والفن والموسيقى والبصريات والطيور والقلب وآلات الطيران والجيولوجيا والأسلحة، أراد معرفة كل شيء، فكان أساس إبداعه وحماسه هو تشابك التخصصات المختلفة ودراسة العلوم التطبيقية وتقاطع الفن بالعلوم، مما جعله أكثر عباقرة التاريخ إبداعًا.

كان أكبر انتصار له في الجمع بين الفنون والعلوم، هو ابتسامة الموناليزا حيث إنّهُ بدأ العمل على اللوحة في عام 1503ميلادية، واستمر بالعمل عليها حتى وفاته أي لما يقارب 16 عامًا.

يُخبرنا الفنان Giorgio vasari وهو رسام إيطالي معروف بكتاباته الشهيرة لسيرة الفنانين الإيطاليين، كيف أبقى ليوناردو السيدة ليزا مبتسمة خلال جلسات التصوير، عبر استخدام بعض الأشخاص للغناء لها، ومهرجين للحفاظ على مرحها، وذلك للتمكّن من تجنّب حالة الحزن التي عادة ما تطغى على لوحات الرسامين، مما جعل النتائج مُرضية للغاية.

الإبداع الذي حاز عليه ليوناردو في صورة الموناليزا هو بفضل دمجه لعلم التشريح والبصريات معًا، حيث إنهُ كان يقضي وقته في المشرحة التابعة لمستشفى Santa maria nuova ليُقشر الجلد من الجثث ويدرس العضلات والأعصاب تحتها، وأصبح مفتونًا بكيفية بدء الابتسامة وقام بتحليل كل حركة ممكنة لكل أجزاء الوجه لتحديد أصل كُلِ عصب والذي بدوره يتحكم في كُل عضلة، وكان مهتمًا بشكل خاص بفهم كيفية ترجمة الدماغ للجهاز العصبي وبالذات المتعلقة بالعواطف وكيف تتحول إلى حركات جسدية، ركز على دور الأعصاب المختلفة في إرسال الإشارات إلى العضلات، من بينها تلك التي تتحكّم بالشفتين، وهذا كان أول رسم تشريحي معروف لابتسامة الإنسان.

ومن جهة أخرى بدأت جهود ليوناردو في تشكيل تأثيرات الموناليزا بإعداد اللوحة الخشبية أولًا، وقد استخدم لوحًا من الخشب ذي الحبيبات الرفيعة من مركز جذع شجرة الحور (Poplar)، ومن ثم قام بوضع طبقة أولية من الرصاص الأبيض، واستخدم زجاجًا يحتوي على نسبة صغيرة جدًا من الصبغ الممزوج بالزيت ثم تركه لعدة أشهر ووضع طبقة أخرى من الزجاج فيما بعد، حتى إنهُ باستخدام هذه الطريقة استطاع إنشاء أشكال تبدو كأنها ثلاثية الأبعاد، كانت ضربات الفرشاة على اللوحة خفيفة للغاية لدرجة أن العديد منها كانت غير محسوسة، أما الظلال التي تشكل ملامح ليزا في اللوحة وخاصة حول ابتسامتها، فإنهُ استخدم مزيج الحديد مع المنغنيز لخلق لون باهت وكأنهُ تم حرقها، وبالنسبة إلى بحثه حول البصريات لقد أدرك أن الأشعة الضوئية لا تصل إلى نقطة واحدة في العين، بل تضرب منطقة الشبكية بأكملها بما فيها المنطقة المركزية منها المعروفة بالنقرة والتي تحتوي على مخاريط تمكّننا من رؤية التفاصيل الصغيرة بشكل أفضل.

بالدمج بين المعرفتين التشريحية والبصرية تمكن ليوناردو من إنشاء ابتسامة تفاعلية حيث إنك إذا كنت تحدق إلى الفم مباشرة فإن شبكية العين سوف تكتشف التفاصيل الدقيقة مما يجعلها تبدو وكأنها لا تبتسم، ولكن إذا أبعدت نظرك قليلًا ونظرت إلى عينيها أو أي منطقة أخرى باللوحة ستصبح الخطوط الدقيقة في زوايا الفم غير واضحة، لكنك ستظل ترى الظلال عند حافة فمها، تُشكّل ابتسامة خفيّة متلألئة، فأصبحت اللوحة تصويرًا رائعًا للواقع، حيث إنها تثير سلسلة معقدة من ردود الفعل النفسية وتبدو كأنها واعية وحية مقارنة بأي صورة أخرى رسُمت على الإطلاق.

تساءل العلماء والنقاد على مر السنين عمّا إذا كان ليوناردو قد أهدر الكثير من الوقت في دراسته للبصريات والتشريح، ومع مرور الزمن أجابتهم الموناليزا؛ بابتسامة.