2 دقيقة، 11 ثانية

هذه الملابس الواقية والتي يبلغ طول منقارها نصف قدم (15 سم)، والمحشوّة بمواد وأعشاب عطرية كالنعناع والعنبر ولها فتحتان فقط تكفيان للتنفس، وأيضا غطاء الجسم المشّمع، والأحذية المصممة من السختيان (جلد الماعز المدبوغ)، كان يرتدي هذا الزي الطبيب المختص بعلاج الطاعون الدبلي، والذي كان يلقب ب “طبيب الطاعون” في القرن السابع عشر.

كان طبيب الطاعون في ذلك الوقت يحمل عصًا خشبية يعلوها ساعة رملية ذات أجنحة للدلالة على أن الوقت يمضي بسرعة. ويعود أصل تصميم هذا الزي للطبيب الفرنسي Charles de L´Orme وانتشرت فيما بعد في أنحاء أوروبا بشكلٍ واسع.
ومع تقدم العصور، أصبح هذا الزيّ تقليداً في مدينة البندقية الإيطالية، يحمل في تصميمه تاريخاً طبياً قديماً ويحمل إيحاءاتٍ شريرة.

في الحقيقة لا يوجد تاريخٌ واضحٌ لبدء استخدام الأدوات والملابس الواقية. ولكن، فيما يتعلق بالكمامات الجراحية المعروفة في زماننا الحالي، فتعود نشأتها لعام 1899، حين افترض العالم Carl Flügge أنّ العدوى قد تنتقل من خلال الرذاذ. وبعد ذلك ببضعة أعوام قامت الطبيبة أليس هاميلتون بنشر مقالٍ توضح فيه أنّ سبب انتقال الحمى القرمزية هو بكتيريا قد تتواجد بالرذاذ والذي وصفته بالـ “لعاب غير المرئي”، وقد أوصت حينها بارتداء الكمامة للأطباء في غرف العمليات، فكانت أول من ينادي بارتداء الكمامات أثناء الجراحة، وحذرت أيضاً من انتقال العدوى أثناء التنفس أو الكلام دون ارتداء الكمامة خلال العمليات الجراحية.

وتوالت بعد ذلك الأبحاث والدراسات على الكمامة، ودورها في تقليل العدوى بين المرضى، ومع وقوع الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت العديد من الأمراض بين الجنود في المستشفيات العسكرية، مثل الحمى القرمزية، التهاب السحايا، والحصبة وغيرها. ولكن أثبتت الدراسات أن ارتداء الكمامة قادرٌ على القضاء على مثل هذه الأمراض، وتقليل نقلها بين المرضى بل في بعض الحالات كانت تمنع العدوى تماماً فقط بعد أشهر معدودة من الالتزام بارتداء الكمامات الجراحية من قبل الكوادر الطبية والتمريضية.

وأما عن ماهية الكمامات في ذلك الوقت، فقد كانت عبارة عن شاش طبي فقط، ويتم تغطية الفم والأنف به لمنع انتقال الرذاذ. وقد كان الأطباء في ذلك الوقت يقومون بتجارب عديدة لزيادة كفاءة الكمامات، فمثلاً يضعون أكثر من طبقةٍ من الشاش، أو يستخدمون شاشاً رطباً، وشاشاً ناعماً أو خشناً وهكذا. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، لاقت الكمامات اهتماماً كبيراً من الجانب الطبي وتضاعفت محاولات تطويرها. وفي عام 1938 تم تصميم كمامة من طبقتين من الشاش بينهما طبقة من القطن لتنقية الهواء.

مع بدايات الأربعينيات من القرن الماضي واكتشاف المضادات الحيوية أو ما كان يطلق عليه حينها بالـ “الدواء العجيب” والتي كانت نقطة تاريخية لعلاج العدوى بمختلف أنواعها، بدأت الكمامات تفقد أهميتها وتراجعت الجهود لتطويرها. ولكن الآن مع ظهور مشاكل عديدة، مثل مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وانتشار أوبئة تسببها الفيروسات؛ يبدو أن الكمامة الجراحية أصبحت بحاجة لتطويرٍ أكثر، وعاد الاهتمام بها من جديد، ومع تطور التكنولوجيا الصناعية في وقتنا الحالي قد يتم تطوير كمامة جراحية جديدة أكثر كفاءة من سابقاتها.