3 دقيقة، 18 ثانية

قامت مجموعةٌ من العلماء من جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة بتحضير تصاميم في المختبر تشبه الجنين وتحاكي مرحلة تكوُّن المُعَيدَة (Gastrulation) المهمة -والتي ما زالت مبهمة- في التطور الجنيني للإنسان. استُوحيت هذه الدراسة من عمل (Yusuke Marikawa) والذي قام بدراسة تطور جنين الفأر، واستخدم الفريق خبراته في تكوين ما يُسمّى بال(Gastruloids) من خلايا جذعية جنينية تعود لفأر في الخمس سنوات السابقة. أمّا الآن فقد طوروا تصاميم باستخدام خلايا الإنسان، لقد قام بالتصميم الأحدث كلٌّ من Naomi Moris وAlfonso Martinez Arias عالما الأحياء من جامعة كامبريدج بالإضافة إلى زملاء لهم في هولندا باستخدام خلايا جذعية جنينية للإنسان، وهو أول تصميم يظهر ماذا يحدث عند تطور مخطط الجسم في فترة 18-21 يومًا بعد الحمل.

تم صنعُ هذه التصاميم من خلايا جذعية، والتي تتمايز وتترتب لإنشاء ما يُسمّى بال Gastruloids، تلك الأولى التي تشكّل مجسمًا ثلاثيَّ الأبعاد يوضّح كيف يتشكل الجسم، والتي تتمايز إلى خلايا تشكل المكونات الأساسية لأعضاء الجسم كافة، لتحاكي ما يُدعى بعملية تكوُّن المُعَيدَة (Gastrulation). تحدث هذه العملية في الأسبوع الثالث من حياة جنين الإنسان، حيث يشكل الأسبوع الثالث قفزةً مهمة في حياته، إذ تبدأ مجموعة الخلايا المتجانسة بالاختلاف والتمايز وتطوير صفات معينة، والتي سيتكون منها لاحقًا جميع أجزاء الجسم، ويستطيل الجنين ويكون خطة جسمية فيها رأس وذيل، غالبًا تُسمى(head to tail axis).

والجديد هنا؛ إنه عن طريق هذا التصميم أصبح بإمكان العلماء للمرة الأولى أن يروا هذه العملية البالغة في الأهمية أثناء حدوثها، يعود السبب في ذلك إلى قوانين بعض البلدان، والتي تمنع استمرار نموّ الجنين في المختبر لأغراض بحثية أكثر من 14 يومًا بعد الحمل. يقول عالم الأحياء الشهير (Lewis Wolpert): “إن أهم وقت في حياتنا هو ليس الولادة، ولا الزواج، ولا الموت، بل إنه وقت عملية تكوُّن المُعَيدَة”، إذ تمثل مرحلةً مهمةً وحاسمةً في تطور الجنين في الإنسان والحيوان، حيث تصبح فيها الخلايا الأساسية والأولية في الجنين مبرمجةً جينيًا لإنتاج الأعضاء المختلفة في الجسم لاحقًا؛ كالدماغ والقلب والرئتين والأمعاء والعضلات.

والجدير بالذكر، أن ال(Gastruloids) هذه التي تمّ تطويرها تحتوي على المكونات الأولية والبدائية للقلب والجهاز العصبي، إلا أنها لا زالت تفتقر للمكونات الأخرى؛ كالدماغ وأنواع خلايا أخرى كانت ستساهم في جعل هذا التصميم قادرًا على أن يصبح جنينًا حيًا.

يقول آرياس إن الفريق قضى عامين لتوفير الظروف المناسبة التي تتضمن البدء من مستعمرة خلايا تتكون من 400 خلية، ومن ثم معالجة هذه الخلايا كيميائيًا ب(Chiron)، الذي يسرّع من تطورها، ثم يقوم العلماء بفصل هذه الخلايا ووضعها في أنابيب دقيقة عميقة. أما موريس فتقول إنه في حال تم كل شيء على ما يرام، سوف تشكل الخلايا نموذجًا ثلاثي الأبعاد بنفسها، ثم تشابه تلقائيًا عملية تكوُّن المُعَيدَة، وتنجح هذه الخطوة ب 70% من المرات. تقول موريس أيضًا: “إنها عملية بسيطة جدًا، لأن الخلايا هي التي تقوم بالعمل الشاق وحدها”، و تضيف أنه بالرغم من أن الخلايا تبرز خصائص جنين عمره 21 يوم في 72 ساعة فقط، إلا أنها لا تستطيع العيش أكثر من 4 أيام.

من خلال هذه التصاميم يتمّ تجنب الإشكالات الأخلاقية في عمل الأبحاث على جنين الإنسان. ولكن يقول العلماء إن تطوير هذه التصاميم وجعلها مشابهة أكثر للحقيقة قد تشكل إشكالات أخلاقية أيضًا؛ إذ ستثير هذه التجارب أسئلة أخلاقية عما إذا كانت هذه التصاميم قادرة على التطور لتصبح جنينًا حيًا. يقول آرياس: “إن هذا سيكون هدفًا متهوّرًا، لكن هل سيكون ممكنًا؟!”

إن هذا التصميم قد يزيح الستار عن أسباب الإجهاض وعن اضطرابات النمو المكبرة؛ كأمراض القلب الخَلقية والسنسنة المشقوقة، كما أنه سيساعد العلماء في دراسة كيفية نشوء أنماط الخلايا والطفرات الممكن حدوثها حسب ما تقول موريس، حيث أن عددًا كبيرًا من الأمراض ينتج عن أخطاء في هذه المرحلة؛ منها الجنف الذي يسبب انحناء غير طبيعيًا في العمود الفقري.

تضيف موريس قائلة: “هذا نظام جديد سيطرح أسئلة كثيرة”. وجد الفريق أنه من خلال الدراسة سيتمكن من دراسة تطور الجنين في الثدييات من خلال تمثيل عملية التطور في المختبر، وفهم المتطلبات لهذا التطور. يرى الفريق أيضًا احتمال أن تكون ال(Gastruloids) مصدرًا لمجموعة الخلايا الأولية الرائدة، وركنًا للخلايا الجذعية، وكأنها البذور للخلايا والأنسجة الناضجة، وهذا يدعو الفريق لتعلم كيفية هندسة النسج والأعضاء.