1 دقيقة، 56 ثانية

أوقعتنا الكثير من البرامج والأفلام في تعميم فكرة العالِم المجنون، وأن العبقرية والجنون والغرابة في التفكير مرتبطان جدا، وانتشرت هذه الفكرة بين الناس، لأنهم ربطوها مع الواقع فوجدوا كثيراً من النماذج أمثال أولئك العباقرة الذين يجلسون دوماً في الصفوف الأمامية من مقاعد الدراسة، يرتدون نظاراتهم ولا يهتمون بمظهرهم، يجلسون وحدهم في الحفلات والمناسبات العامة ويتصرفون بشكل غير مألوف، فهل لهذه التصرفات علاقة بمستوى الذكاء؟

فان جوخ أحد أشهر الفنانين التاريخيين بأعماله التي تُعلّق الآن في كل متحف كبير تقريبًا على هذا الكوكب، اشتُهر أيضا بجنونه، خصوصًا في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر عندما قطع جزءًا من أذنه، وهنالك من زملاءه من افترض أن مشاكل شخصيته وعبقريته الفنية جاءت من نفس المصدر ألا وهو مرضه العقلي. لم يكن فان جوخ إلى حد بعيد المثال الوحيد للاندماج الواضح بين الاضطرابات النفسية والإبداع. كان كلٌّ من الملحّن فان بيتهوفن، والفنان إدوارد مونش، والشاعر سيلفيا بلاث، والروائي ديفيد فوستر والاس المعروفين بقدرتهم على إنتاج شيء غير مسبوق وفريد، يعانون من واحد أو أكثر من الأمراض العقلية.

افترض بعض العلماء أن أمراضًا مثل الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام قد تجعل الدماغ يفكر بشكل مختلف بما فيه الكفاية في الفن وأنواع إبداعية أخرى حتى يتمكن من الوصول إلى أفكار لا يمكن تحقيقها من قبل الأشخاص العاديين. ومع ذلك، بدأت دراسات أحدث في التشكيك في هذا الارتباط. فقد أظهرت بعض الدراسات إلى وجود علاقة إيجابية بين انخفاض مستويات الذكاء والاكتئاب. توصلت دراسة مبنية على نتائج مسح المراضة النفسية للكبار في إنجلترا إلى أن الأشخاص ذوي معدل الذكاء المنخفض أقل سعادة من نظرائهم الأكثر ذكاءً. خلال هذه الدراسة، أفاد الأشخاص الذين لديهم مستوى ذكاء بين 70-79، والذي يعتبر نقصًا في الذكاء، أنهم أقل سعادة من الأشخاص الذين لديهم مستوى ذكاء بين 120-129، والذي يعتبر ذكيًا للغاية، واستند الباحثون في هذه الدراسة إلى معايير عدّة مثل كونهم في مزاج جيد في معظم الأوقات، ومدى رضاهم عن حياتهم.

لذا يستمر النقاش، حتى يكون لدينا تعريفات أفضل للأمراض العقلية التي تستند إلى علم الوراثة والبيولوجيا أكثر من السلوك، وحتى تعريفًا أفضل للأسباب التي تجعل الشخص مبدعًا، سيكون من الصعب جدًا إنشاء صلة قوية بين العبقرية الإبداعية والصحة العقلية.

ففي النهاية، في حين أن فان جوخ أزال جزءًا من أذنه وعانى من عدد من الأمراض، كان هنالك العديد من الأشخاص في العالم مبدعين بنفس القدر ولكنّهم لم يعانوا من أيٍّ من هذه الأمراض.