يمكن للعديد من الآلات التعرفُ على البشر من خلال بصمات أصابعهم أو ملامح وجوههم، إلا أنّ هذه المقاييس الحيوية ليست الوحيدةَ التي تميّز الأفراد عن بعضهم البعض؛ فمثلًا إن طريقة المشي لكل شخص فريدة من نوعها -ويمكن أن تعمل ليس فقط كمحدّدات للهوية، بل وكمؤشّرات للمزاج والصحة أيضًا.

طوّر فريق من الباحثين مستشعراتٍ عن بعد تحلّل خطا القدم عن طريق قياس الاهتزازات الأرضية الدقيقة واستخدموا هذه الاهتزازات لتحديد هوية أفراد معينين يسيرون في أرجاء مبنى ما ولاختبار طريقةٍ جديدةٍ للمراقبة الصحية المستمرّة عن بعد من غير الحاجة إلى فحصٍ مباشر من قبل مقدمي الرعاية الصحية.

تقول الباحثة هاي يونغ نوه التي أجرت البحث في البداية كمهندسة مدنية وبيئية في جامعة كارنيجي ميلون وانتقلت منذ ذلك الحين إلى جامعة ستانفورد بأنّ الطريقة التي يمشي بها شخصٌ ما هي “مثل البصمة، إنها بمثابة توقيع فريد للغاية”، يمكن أن تكشف “من أنت، وأين أنت، وأنواع الأنشطة التي تمارسها، وحتى حالتك الإدراكية”.

إذا اكتشفت أجهزة الاستشعار نمطًا للخطوات، فإنّ البرنامج يقوم بتحليلها للتحقق من هوية الفرد، إذ صرّح فير بواها أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر في جامعة سيراكيوز -والذي لم يشارك في العمل مؤخرًا- بأن أنظمةً مماثلةً فعلت ذلك بدقة 95 بالمائة.

ويمكن أن تكون أنماط المشي أكثر من مجرّد محدّد بسيط للهوية، حيث يقول بواها: “هناك الكثير من المعلومات التي يمكن استخلاصُها من مشية الشخص -وخصوصًا تلك المتعلقة بالصحة”، فعلى سبيل المثال؛ إذا بدأ شخصٌ ما بتطبيق المزيد من الوزن على جانب أكثر من آخر، فيمكن أن يشير هذا التغيّر في التوازن إلى مشكلة عصبية، وتساعد مثلُ هذه المعلومات الأطباءَ في مراقبة كبار السّنّ والمرضى الآخرين المعرّضين للخطر الذين يرغبون في العيش بشكلٍ مستقلّ؛ فيمكن من خلال تتبّع مشية الأشخاص مراقبةُ صحتهم دون التأثير مباشرة على مساحتهم الشخصية.

وللتمكن من التقاط وقياس هذا التوقيع الغنيّ بالبيانات، كان على الباحثين في السابق تجهيز الأشخاص بأجهزة يمكن ارتداؤها مثلًا أو جعلهم يمشون على حصائر خاصة أو أرضيات معدلة، إلا أنّ نوه، ومهندس الكهرباء والكمبيوتر بي تشانغ من جامعة كارنيجي ميلون وزملاؤهما قرروا تطويرَ مستشعرات خطا تعمل عن بعد، فاستفادوا من قدرة الجدران والأرضيات النموذجية على التقاط الاهتزازات الضعيفة الناتجة من أي نشاط في المساحة التي تحتوي عليها. يقول نوه: نسمي هذا “الهياكل كمستشعرات”، حيث نستخدم هذه الهياكل المادّيّة الكبيرة -مثل المباني والجسور- كنظام استشعارٍ لرصد البشر والبيئة المحيطة بشكلٍ غير مباشر.

يتطلب استشعارُ الاهتزازات الناتجة من مجرد خطوة أجهزةَ كشفٍ حادةً ودقيقةً للغاية. يقول تشانغ: “لإعطائك فكرة عن مدى حساسية أجهزة الاستشعار الخاصة بنا؛ عندما تجلس على كرسي على بُعد متر عن المستشعر الموجود على الأرض، يمكننا أن نستشعر ضربات قلبك”، كما تقول نوه: إنّ كل مستشعر – جهاز أسطواني بارتفاع بضعة سنتيمترات- يوضع على الأرض ويمكنه أن يلتقط إشارة على مسافة تصل إلى 20 مترًا”. يقوم الباحثون بتوزيع هذه المستشعرات على هيئة مصفوفة في جميع أنحاء المنطقة التي يريدون رصد الخطا فيها. لكن في مبنى مزدحم، ستلتقط أجهزة الكشف الحادة هذه الكثيرَ من الإشارات، وبالتالي كان على الفريق أيضًا “تعليمُ” النظام الجديد تمييزَ هذه الإشارات من أيّ ضوضاء في الخلفية.

تقول نوه: “إن محاربة الضوضاء القادمة من تداخل الموجات هي التحدي الأكبر الذي يواجهنا”، كما أنّ معالجته تتطلب إيجاد حلول على صعيد كل من الأجهزة والبرامج. من حيث الأجهزة؛ يحتوي كلّ مستشعر على مضخّم يمكنه تلقائيًا تغيير مقدار تعزيزه ورفعه الاهتزازات الناتجة عن الخطوة التي يضخمها، فعندما تبدو الاهتزازات قادمة من مصدر بعيد، يقوم المضخم برفع مستواها.

بمجرّد أن تلتقط أجهزة الاستشعار خطا الأقدام، يتولّى البرنامج باقي العملية. تقول نوه: “إننا نجري العديد من تقنيات معالجة الإشارات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المعروفة بالتعلم الآلي لتمييز الإشارة المتعلقة بالإنسان عن الضوضاء التي لا تعنينا”. وكحال البيانات الناجمة من الطرق الأخرى المستخدمة في الكشف عن الخطا -مثل الأجهزة القابلة للارتداء، أو حصائر الضغط، يمكن توظيف أنماط المشي المقاسة باستخدام هذه المستشعرات في تحديد هوية الفرد وبعض أنواع المشاكل الصحية المحتَملة.

تثير القدرةُ على إجراء هذا النوع من المراقبة مخاوفَ واضحةً بشأن الخصوصية، ويوصي الباحثون باستخدام التكنولوجيا الخاصة بهم فقط من أجل تطبيقات الرعاية الصحية، حيث أشاروا إلى أنّ أنظمة المراقبة هذه يمكن أن تساعد مقدمي الرعاية الصحية الذين يحتاجون إلى معرفة متى من المُحتمَل أن يسقط المرضى المسنون -أو تساعد مستشفيات الأطفال في الكشف عن وجود أعراض لأمراض مزمنة -مثل ضمور العضلات- في أقرب وقتٍ ممكن. بالنسبة لتلك الأمثلة، يؤكد المطورون أن أجهزة استشعار خطا القدم ستحافظ على الخصوصية بشكل أفضل من الكاميرا التي تلتقط أيضًا المعلومات المرئية.