2 دقيقة، 21 ثانية

عند الحديث عن الفضاء الخارجي واستعماره، فإننا نفكّر بالاكتشافات الفضائية مثل الكواكب والمجرات والثقوب السوداء، والوسائل التكنولوجية والأقمار الصناعية، وإن هدف البشرية المستقبلي هو استعمار المريخ، لذلك تعمل وكالة ناسا على التجهيزات الخاصة برحلة “أرتميس”؛ رحلة أول امرأة ومن ثمّ رجل إلى القمر، وبعدها إرسال أول رحلة بشرية إلى المريخ. وبالحديث عن تواجد البشر خارج كوكبهم، فإنه يتراود لنا سؤال مهم: هل البشر مصمَّمون للعيش خارج موطنهم الأصلي “الأرض”؟!

تكيفت وتطورت الكائنات الحية على كوكب الأرض منذ ملايين السنين، وتطوّرت لديها آليات بيولوجية خاصة تسمح لها بالحفاظ على بقائها تبعًا لبيئة الأرض المميزة، ولعلّ أهم ما يميز كوكبنا هو الغلاف الجوي كنظام حماية من الأشعة الكونية، بالإضافة إلى الجاذبية الأرضية التي تُعدّ أهم عامل يتحكّم بأجسام الكائنات الحية، والتي سوف نتحدث عنها بكثرة! أمّا خارج الأرض، فإن البيئة مختلفة تمامًا؛ نظام حماية من الأشعة ضعيف، وجاذبية قليلة (microgravity)، أو حتى يمكن وصف ذلك بانعدام الجاذبية نسبيًا- كما هو الحال في المريخ.

لكن، ماذا سيحدث لبشريّ إذا تواجد في بيئة ذات جاذبية قليلة؟! للإجابة على هذا السؤال يتمّ عمل تجارب وأبحاث على البشر والحيوانات والنباتات وحتى عيّنات بكتيريا في محطة الفضاء الدولية ((International Space Station (ISS) التي تدور حول الأرض لمعرفة أهمّ التغيرات البيولوجية التي قد تحدث لأجسام الكائنات الحية، وأخذ أهم التدابير المضادة لضمان صحّة وحماية رواد الفضاء في رحلهم. قد يظنّ البعضُ أن الجاذبية الأرضية ليست بتلك الأهمية، لكن ما سنتحدث عنه هنا هو أهمّ الأنظمة المتأثرة بهذه القوة الخفية!

الجاذبية الأرضية تؤثر على توازن الجسم والحركة والتنسيق بين الرأس والعين، واليد والعين، وتؤثر على توجهّك المكاني. بسبب الجاذبية نشأ لأجسامنا ما يُسمّى بتدرّج الضغط الهيدروستاتيكي (hydrostatic pressure gradient) الذي يسمح بتنظيم ضغط السوائل في الجسم، بحيث يكون الضغط مرتفعًا في الأجزاء السفلية من الجسم كالأقدام، ويبدأ بالانخفاض كلما توجّهنا نحو الرأس للحفاظ على ضغط الدماغ، لكن مع انعدام الجاذبية، سوف يختفي هذا التدرّج مؤديًا ذلك إلى حدوث ظاهرة انسحاب السوائل للأعلى (fluid shift)، وهي من أهم النظريات المفسرة للعديد من الآثار الناجمة عن انعدام الجاذبية، إذ يؤدي انسحاب السوائل إلى ارتفاع الضغط داخل الجمجمة، وضغط السائل النخاعي، وضغط السوائل في الأذن الداخلية، وتغيّرات خطيرة في الجسم كما سنتحدث عنه لاحقًا. ليس هذا فحسب، بقلة الجاذبية سيتغيّر حجم القلب، وستحدث تغيرات في المناعة، وستحدث ظاهرة فقر الدم الفضائي (space anemia).

إنّ انعدام الجاذبية والتغيرات الفسيولوجية الناجمة عن ذلك ليس مشكلتنا الوحيدة! حتى مع أفضل التدريبات وتوفير الوسائل الوقائية والتكنولوجيا واتخاذ أفضل الاحتياطات لتجنب أكبر المشاكل، إلا أنه في بيئة تعدّ الأكثر عزلة عن العالم، فقد يكون هناك لا مفرّ من الاكتئاب! إذ قد يواجه رواد الفضاء تدهورًا في الحالة المزاجية والروح المعنوية، وقد تنشأ لديهم اضطرابات النوم بسبب تغيّر الساعة البيولوجية، بالإضافة إلى العديد من المشاكل النفسية التي قد تؤدي الى فشل المهمة التي خرجوا من أجلها.

 ما زال لدينا الكثير من المعلومات المثيرة للاهتمام عن هذا الموضوع نودّ مشاركتها معكم، لذلك سنعرض لكم سلسلة من  المقالات تحت اسم “بشريٌّ خارج كوكبه”، نتحدث فيها عن التغيّرات البصرية، والتغيّرات العضلية، فانتظرونا.