2 دقيقة، 54 ثانية

            يعرف السرطان بأنه نمو غير طبيعي للخلايا دون توقف حيث تقوم خلية أو مجموعة من الخلايا بالنمو دون رادع مشكّلة كتلة سرطانية في أماكن ليس من المفترض أن تكون فيها، وتنقسم هذه الأورام السرطانية إلى أورام حميدة أو خبيثة حسب العديد من المعايير مثل اختراقها للأنسجة الطبيعية المجاورة أو تكوينها لكبسولة تتكاثر داخلها وكذلك وجودها في مكان واحد أو انتشارها لعدة أماكن حول الجسم، وعادة ما تكون الأورام الخبيثة أكثر خطورة من غيرها وتتطلب علاجًا كيميائيًا بالإضافة إلى الجراحة لاستئصال التجمعات الكبيرة لهذه الخلايا السرطانية.

             وعادة ما تكون الأورام السرطانية بسيطة في تركيبها حيث تتكون من نفس الأنسجة التي نمت منها بالأصل ويتم تسميتها بناء على موقعها في الجسم ومصدر نشأتها، فمثلًا تتكون خلايا سرطان الرئة من نفس خلايا النسيج الرئوي الذي انبثقت منه الخلية السرطانية الأولى ويبدأ في الانتشار داخل الرئة ثم يبدأ في الانتقال عبر الدم إلى أماكن أخرى حيث تستقر بها وتستوطنها وتشكل أورامًا سرطانية خارج موقع الورم الأول وبذلك تصبح مرحلة هذا السرطان متقدمة أكثر كلما انتشر أكثر في جسم الانسان. ولكن هذا السرطان الذي سنتحدث عنه في هذا المقال كان محطًا لإثارة الاستغراب والعجب لقرون من الزمان لغرابته مما جعله من الأمراض المرتبطة جدًا بالخرافات في العديد من الثقافات المختلفة حول العالم.

            ما يميز الأورام المسخية (Teratomas)عن غيرها من الأورام الأخرى بشكلها المميز جدًا والذي يعد هو سبب تسميتها بهذا الاسم، حيث تتكون من خليط من الأنسجة غير المتجانسة مثل الشعر، الأسنان، العظام، الخلايا العصبية وكذلك أنسجة العيون! هذه الخلايا السرطانية تعود بأصلها إلى الخلايا الجنينية وتعرًف الأورام المسخية بأنها كتلة خلوية مكونة من خلايا غريبة على موقعها أو أنسجة مكونة من الطبقات الجنينية الخلوية الثلاث (Germ Layers) جميعها، ولعب اكتشاف طبيعة هذه الأورام دورًا كبيرًا في اكتشاف الخلايا الجذعية وفهم دورها.

            وتعد أول إشارة تاريخية لهذه الأورام على لوح صلصالي يعود إلى ٦٠٠-٩٠٠ عام قبل الميلاد حيث كانت هذه الألواح تستخدم كمراجع للتنجيم وتوقع المستقبل، وأحد هذه الألواح الصلصالية كتب عليه أن الرفاهية ستلحق ولادة امرأة لطفل بثلاثة أرجل، والذي وضحه الطبيب جيمس ويلر في كتابه “تاريخ الأورام المسخية” أن هذه العبارة تعتبر التسجيل التاريخي الأول للأورام المسخية الحميدة والتي من المعتاد أن يكون موقعها عند أسفل العمود الفقري حيث تبدوا كرجل ثالثة عند النظر إليها من الخارج!

            وارتبطت العديد من الخرافات بهذه الأورام حيث أثارت انتباه الناس على مد القرون اللاحقة حيث تم وصفها بالسحر وكعلامات للشيطان! ولكن فهمنا الحقيقي لهذه الأورام بدأ في ستينيات القرن السابع عشر بعد أن تم اكتشاف أن أصل هذه الأورام جنيني بالأصل في عام ١٦٩٦ ميلادي بعد أن تم اكتشاف ورم سرطاني يحتوي على قديحات بصرية (Optic discs) ونسيج عظمي جمجمي، ولكن تفريقها عن باقي الأورام السابقة تم في عام ١٨٥٦ ميلادي حيث كانت الطبقات الجنينة الثلاثة مكتشفة حديثاً وتم ملاحظة الصفات المشتركة بينها وبين خلايا الأورام المسخية. وما زال فهمنا لهذه السرطانات كما كافة الأنواع؛ يتطور ويتضح مع مرور الزمن.

            أكثر أنواع الأورام المسخية شيوعًا هي الأورام المسخية المبيضية والتي تتكون في المبايض، وعادة ما تكون أورامًا حميدة ولكنها تنمو لحجم كبير وتكون غير منتظمة من الداخل ويتم عادة استئصالها جراحيًا مع أخذ خزعة منها والتأكد من كونها ورمًا حميدًا، أما الأورام المسخية الخبيثة فتتكون عادة في الخصيتين وتتكون من خلايا جذعية والتي تتطور لأنواع متعددة من الأنسجة المختلفة ويتم كذلك استئصالها جراحيًا وقد تحتاج لجرعات من العلاج الكيميائي ان كانت ورمًا خبيثًا.

            بإمكاننا الآن أن نقول بكل وضوح أن هذه الأورام قطعًا ليست سحرًا ولا من عمل الشيطان، ولكن بإمكاننا أن نقول بثقة أن الإنسان من طبيعته أن يختلق القصص والخرافات كي يسد نواقص فهمه لما حوله من الظواهر، وأن العلم قادر على كسر الرعب من المجهول والذي ترك فراغًا كبيرًا للشيطان ليسكنه في عقول الناس!