2 دقيقة، 54 ثانية

الشعور بالعطش هو إحساس مألوف لدى الجميع، وهي تجربة شائعة لدرجة أن القليل منا يفكر فيها، لكن علماء الأعصاب مفتونون بها. فيما يتعلق ببقاء الكائن الحي، فإن العطش مهم للغاية، فالحيوان الذي لا يشرب السوائل عندما يحتاج إليها لن يعيش لفترة طويلة، فمن دون ماء، تتوقف معظم العمليات داخل الجسم ويصبح عاجزا عن العمل، وفي البشر، يؤدي فقدان الماء الى الوفاة في غضون أيامٍ معدودة.

على الرغم من أن فكرة أن أدمغتنا يمكنها اكتشاف مستويات الماء في الجسم وتحفيز رغبتنا في الشرب ليست جديدة، إلا أن علم الأعصاب الذي يقف وراء هذه الظاهرة ليس واضحًا بشكلٍ تام.

وقد تم بالفعل القيام ببعض العمل في هذا المجال. أظهرت الدراسات أن الهيكل الشبيه بالصفائح في الدماغ الأمامي، أو ما يسمى بالصفيحة الطرفية (LT)، مهم في تنظيم العطش. يتكون LT من ثلاثة أجزاء: (OVLT)، (SFO)، (MnPO).

ينفصل غالبية الدماغ عن مجرى الدم بواسطة الحاجز الدموي الدماغي. إلى جانب الأدوار الأخرى، يحمي هذا الغشاء الدماغ من مسببات الأمراض، مثل البكتيريا. لكن SFO و OVLT استثنائيين، إذ لا يحميهما الحاجز الدموي الدماغي ويمكنهما الاتصال مباشرة بمجرى الدم. هذا الاتصال المباشر مع الدم يسمح لهذه الاجزاء من الدماغ بتقييم تركيز الصوديوم، وبالتالي فإن “ملوحة” الدم هي مؤشر جيد على مدى تركيز الماء في الحيوان. وأظهرت دراسات سابقة بالفعل أن LT تحتوي على عصبونات مستثارة، عندما يتم تحفيزها في فأر، فإنها تثير سلوك الشرب.

أجريت أحدث دراسة للتحقيق في آلية العطش من قبل Yuki Oka، الأستاذ المساعد في علم الأحياء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، كاليفورنيا، وتم نشر النتائج في مجلة Nature.

في هذه الدراسة الجديدة، وجد العلماء أن نواة MnPO مهمة بشكل خاص، حيث تتلقى مدخلات عصبية محفزة من قبل SFO ولكن ليس العكس. حيث أظهر الباحثون أنه عندما يتم إسكات الخلايا العصبية المستثارة للـ MnPO وراثيًا، فإن تحفيز SFO أو OVLT لم يعد ينتج سلوك الشرب في الفئران.

هذه الدراسة هي الأولى التي تصف التنظيم الهرمي لـ LT: يجمع MnPO المعلومات من SFO و OVLT ويمررها إلى مراكز الدماغ الأخرى لتحفيز نشاط الشرب.

يذهب العلماء أيضًا إلى حد ما للإجابة على سؤال آخر يتعلق بسلوك الشرب: كيف نعرف متى نتوقف؟ يشرح البروفيسور Oka اللغز، قائلاً: “عندما تصاب بالجفاف، قد تشرب الماء لعدة ثوان، وتشعر بالرضا”.

وأضاف: “ومع ذلك، في هذه المرحلة، لم يتم ترطيب دمك بعد: عادة ما يستغرق الامر حوالي 10 إلى 15 دقيقة. لذلك، لن يتمكن SFO و OVLT من اكتشاف معالجة الجفاف في الدم بعد الشرب بوقت قصير، ومع ذلك، فإن الدماغ يعرف بطريقة ما متى يتوقف عن الشرب حتى قبل إعادة ترطيب الجسم بالكامل”.

هذا يشير إلى وجود إشارة أخرى أسرع تخبر الدماغ بالتوقف عن الشرب. أظهرت الدراسات أن الخلايا العصبية المستثارة في LT تهدأ عندما يبدأ الفأر في الشرب، لكن كيفية حدوث ذلك بالضبط غير معروفة.

أظهر البروفيسور Oka وفريقه أن الخلايا العصبية المثبطة في MnPO تستجيب للفعل البدني للشرب وتقوم بقمع النشاط العطشي في الخلايا العصبية للـ SFO. ومن المثير للاهتمام أن الخلايا العصبية المثبطة تؤدي وظيفتها فقط استجابةً لابتلاع السوائل وليس الطعام.

ويعتقد الباحثون أن هذا التمييز بين السوائل والمواد الصلبة يعود الى تحفيز حركة البلعوم، وهو جزء من الحلق يشارك في آلية البلع، ويختلف نشاطه عند الشرب عن الأكل.

تضيف نتائج هذه الدراسة إلى فهمنا لشبكة التفاعلات المعقدة التي تخبرنا عندما نحتاج إلى الشرب، ولكن وفقًا لمؤلفي الدراسة، لا يزال هناك الكثير لنتعلمه.

كما يوضح البروفيسور Oka، “الإشارات المثبطة للعطش التي اكتشفناها تنشط فقط أثناء عملية الشرب، ومع ذلك، فإن توقف الشعور بالعطش يدوم لفترة أطول، يشير هذا إلى أن الخلايا العصبية المثبطة لـ MnPO لا يمكن أن تكون المصدر الوحيد لذلك “.

وبالطبع، أجريت هذه الدراسة على الفئران، ولكن يمكن العثور على مناطق مماثلة في دماغ الإنسان، لذلك يعتقد الباحثون أن النتائج تنطبق علينا أيضًا.