4 دقيقة، 56 ثانية

في عام 1898 تم اكتشاف عنصر الراديوم -رمزه الكيميائي Ra- على يد العالمة القديرة ماري Marie وزوجها بيار كوري Pierre Curie. هذا المعدن المشع ذي اللون الأبيض الفضي، الذي يعد من أثقل الفلزات القلوية الترابية alkaline earth في المجموعة الثانية من عناصر الجدول الدوري، والذي يتحول لونه إلى الأسود بمجرد تعرضه للهواء بسبب تأكسده. كما أنه غير مستقر ويخضع لمراحل عديدة من الاضمحلال الإشعاعي وصولًا إلى الرصاص أخيرًا.

وفقًا لوكالة تسجيل المواد السامة والأمراض، يدخل الراديوم الجسم عادةَ عند استنشاقه أو ابتلاعه، لكن في بداية الأمر لم يكن عامة الناس على علم بمدى خطورة هذا العنصر ذي النشاط الإشعاعي الشديد، ونظرًا لاستخدامه في الطب وعلاج العديد من الأمراض وبشكل أساسي قتل الخلايا السرطانية التي تصيب العظام عن طريق تعريض الأورام لجسيمات ألفا المنبعثة من الراديوم أو لإشعاع جاما المنبعث من نظائره، فقد اعتبره الكثيرون عنصر المعجزة؛ وقاموا بإدخاله في العديد من المنتجات التجارية -ذات الاستخدام اليومي- لاعتقادهم أن له خصائص علاجية سحرية مثل: الشوكولاتة ومعجون الأسنان ومستحضرات التجميل، حتى أنه تم إدخاله في الماء؛ حيث كان يُعتقد أن هذه النوعية من المياه ستفيد في علاج الأمراض من التهاب المفاصل إلى العجز الجنسي، وغيرها من الاستخدامات.

عندما يتم خلط ملح الراديوم مع عجينة من كبريتيد الزنك، يتسبب إشعاع ألفا في توهج كبريتيد الزنك، مما ينتج عنه طلاء متوهج ذاتي الإنارة. تم استخدام هذه الميزة في العديد من الصناعات مثل: طلاء أرقام وعقارب الساعات وألعاب الأطفال (لعبة Radiumscope التي بيعت حتى عام 1942) لكي تتوهج في الظلام.

الشركة الأمريكية الشهيرة آنذاك Radium Luminous Material Corporation (والتي سميت لاحقًا The US Radium Corporation) في الفترة ما بين عام 1917 وعام 1927، هي مثال لإحدى الشركات التي كانت تقوم بمثل هذا الفعل. هذه الشركة التي تقدم وظائف زهيدة الأجور القائمة على صناعة الساعات وطلائها بالراديوم، عن طريق توظيف طاقم كبير من النساء -لأن أيديهن الصغيرة كانت مناسبة تمامًا للعمل الدقيق- في مصنعها في ولاية نيوجرسي والتي تتمثل وظيفتهن في طلاء الساعات بهذا الطلاء السحري.

كانت تميل النساء إلى مثل هذه الوظائف لأنها لا تحتاج إلى مجهود كبير إضافة أنها كانت تُعتبر أنظف وأكثر أمانًا من أشكال العمل اليدوي الأخرى، وعلى مدى عدة عقود، تم استخدام ما يَقرب 4000 امرأة في جميع أنحاء الولايات المتحدة كرسَّامات إشعاعية.

عُرفوا هؤلاء الفتيات باسم فتيات الأشباح ghost girls لأن غبار الراديوم الذي يتعرضن له يوميًا يجعل ملابسهن وشعرهن وبشرتهن تتوهج حرفيًا. ارتدت العديد من النساء أفضل فساتينهن في العمل حتى يلمع القماش ببراعة عندما يذهبن للرقص بعد العمل، حتى أن البعض قاموا بتطبيق الطلاء على أسنانهن لأنه يمنحهن ابتسامةً مشعة، وكأنها وظيفة الأحلام حقًا كما تم وصفها.

كانت العاملات يستخدمن شفاههُن لجعل فرشاة الطلاء رفيعة الرأس عند الإنتهاء من طلاء الرقم أو العقرب. هذا ما تم توجيههن به من قبل المشرفين عليهن، ولسوء الحظ لم تكن الفتيات على علم بمخاطر هذا العنصر، وعندما سألنَّ عن سلامته، أكدوا لهنّ أنه ليس هناك ما يدعو للقلق. تشير التقديرات إلى أن هؤلاء النساء قد يتناولن ما يقرب من 4000 ميكروغرام من اليورانيوم في غضون 6 أشهر.

لم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ فتيات الراديوم في تجربة الدمار الجسدي من جراء تعرضهن لهذا الإشعاع. ومن أولى الشخصيات كانت أميليا مولي ماجيا Amelia Mollie Maggia التي بدأت تظهر عليها أعراض ألم في الأسنان الذي تطلب إزالة السن، وسرعان ما كان لابد من خلع السن المجاور له، كما ظهرت تقرحات مؤلمة ونزيف مليء بالقيح في مكان الأسنان. انتشرت الأعراض الغامضة في جميع أنحاء فم ماجيا والفك السفلي، والذي كان لابد من استئصاله، ثم إلى أجزاء أخرى من جسدها. توفيت ماجيا في اليوم الثاني عشر من سبتمبر عام 1922 بعد عامين من الألم عن عمر يناهز 25 عام فقط إثر نزيف حاد. كان الأطباء في حيرة من أمرهم بسبب حالتها، ولكن الغريب أنهم قرروا كتابة مرض الزهري -مرض جنسي- في التقرير سببًا للوفاة.

ثم بعد ذلك تتابعت الحالات، وأصيبت العاملات الأخريات بهذا المرض الغامض المميت، وأصبحن يعانين العديد من الأعراض المؤلمة المشابهة لما حصل مع ماجيا. لمدة عامين، أنكر صاحب العمل بصخب أي علاقة بين وفاة الفتيات وعملهن.

في مواجهة التراجع في الأعمال التجارية بسبب الجدل المتزايد حول هذا المرض، طلبت الشركة أخيرا إجراء دراسة مستقلة لهذه المسألة، والتي كانت نتائجها موت العاملات من آثار التعرض للراديوم. لكن الشركة رفضت قبول نتائج هذا التقرير، وطلبت دراسات إضافية توصلت إلى نتيجة معاكسة، وأُدينت الفتيات اللاتي تعرضن للمرض بشدة. وهكذا استمر الجمهور في افتراض أن الراديوم آمن.

في عام 1925 طور أخصائي في علم الأمراض يدعى هاريسون مارتلاند اختبارًا أثبت بشكل قاطع أن الراديوم قد سمم العاملات من خلال تدمير أجسادهن من الداخل. حاولت صناعة الراديوم تشويه النتائج التي توصل إليها مارتلاند، ولكن مع مساندة فتيات الراديوم الذين كانوا على علم بأن أيامهن معدودة، أرادوا فعل شيء لمساعدة زملائهم الذين ما زالوا يعملون مع المادة القاتلة، وافق المحامي ريموند بيري على قبول قضيتهم عام 1927 التي رفعوها ضد الشركة.

كان لدى العديد من رسَّامي الساعات أشهر فقط للعيش، وأجبروا على قبول تسوية مع الشركات الصانعة خارج المحكمة. ومع ذلك، فإن تجاربهم جعلت قضية سلامة الراديوم تتصدر الصفحات الأولى في جميع أنحاء العالم. ولكن، حتى ذلك الحين، أنكرت شركة US Radium Corporation دورها، واستمرت النساء في المرض والموت حتى عام 1938، عندما قامت عاملة الراديوم كاثرين وولف دونوهو Catherin Wolfe Donohue التي كانت على فراش الموت برفع دعوى قضائية ضد الشركة بسبب مرضها، حتى تمت تسوية المشكلة أخيرا.

لا يمكن التقليل من شأن إرث “فتيات الراديوم”. كانت قضيتهم من بين الحالات الأولى التي تم فيها تحميل الشركة المسؤولية عن صحة وسلامة موظفيها، وساعدت قضيتهم في تأسيس مجال الفيزياء الطبية، ثم بعد ذلك تم تشكيل اللجنة الاستشارية الأمريكية لحماية الأشعة السينية الراديوم، بالإضافة إلى إنشاء إدارة السلامة والصحة المهنية في الولايات المتحدة. أدت القضية إلى إصدار أنظمة وتشريعات حكومية هامة تهدف إلى حماية صحة وسلامة العمال، وقد أسست سابقة قانونية جديدة في الولايات المتحدة وهي: حق العمال الأفراد في مقاضاة صاحب العمل لتطوير الأمراض المهنية.

تم سرد قصة هؤلاء الفتيات في كثير من الأعمال: بما في ذلك مسرحية عام 2000، Radium girls من تأليف D. W. Gregory، بالإضافة إلى الكتب Deadly Glow وRadium girls وThe poisoner’s Handbook، كما أنه تم صناعة فيلم درامي يحمل اسم Radium Girls من إخراج ليديا دين بيلشر، وجيني موهلر عام 2018.

وفي عام 2011 تم الكشف عن تمثال في مدينة أوتاوا، إلينوي (الموقع السابق لمصنع Radium Dial) تخليدا لذكرى فتيات الراديوم.