4 دقيقة، 52 ثانية

تختلف الآراء حول امتلاك النباتات الإحساس بالألم والسعادة، فلو سألتَ أقاربك عن ذلك فسوف تجد أغلبهم مجيبًا بالتأكيد داعمًا إجابته بمجموعة من القصص حول حزن نباتاتهم على فراق الشخص الذي كان يعتني بها والكثير الكثير. ليس عامة الناس فقط، بل هنالك علماء يظنّون المثل، ويدّعون أن النباتات تسمع اليرقات وهي تأكل من أوراقها. وفي الجهة المقابلة، يرفض العديد من العلماء فكرة وجود إحساس وعقل لدى النباتات بدون أي خلاف على ذلك.
تكمن أهمية الإجابة على هذا السؤال في البعد الأخلاقي؛ فإذا كانت النباتات تحسّ بالألم والسعادة، فهي تستحق المناداة بحقوق لها ومراعاة مشاعرها، مؤثّرًا ذلك على طرق الزراعة وتطوير الأراضي. للإجابة على هذا السؤال يجب علينا تحديد مصدر الإحساس والإدراك وإيجاد أسس قوية لبناء أدلة موثوقة، وإسناد صفات النباتات إليها للوصول إلى إجابة دقيقة وصائبة.

الاحساس بالالم  يقتضي وجود عقل واعٍ، ويقصد بذلك هنا قدرة هذا العقل على تكوين حالة وعي وإدراك حسّيّ نحو الأمور والتجارب التي من الممكن استشعارها بالحواس. إن تحديد هذا بالنسبة لنا -نحن البشر- سهل يسر؛ فمثلًا أنا “على المستوى الشخصي، وكإنسان” أعلم أني حي، أحسّ بالعالم من حولي، أرى وأسمع وأتكلّم وأحس بالسعادة والألم، لكن كيف أعرف أن من حولي يشاركني ذات القدرة على الشعور بالتجربة الوجودية، أو أنه يمتلك القدرة على الإحساس، ويوجد لديه عقل واع؟

لمعرفة ذلك  يجب وضع مصادر قوية للأدلة على وجود العقل؛ وهي أربعة مصادر:

1- الشهادة: ويُقصد بها  قدرة الفرد على التعبير والإفصاح عن مشاعره وإيمانه باستخدام “اللغة” تحديدًا.
2- السلوك: ويُقصَد به أيّ رد فعل أو سلوكيات مشابهة لسلوكنا عند موقف مررنا به سابقًا.
3- التركيب التشريحي والفسيولوجي: يُعنى بوجود تراكيب وظيفية مرتبطة بالإدراك كالدماغ والأعصاب أو تراكيب مشابهة لهما، ويعتبر الأقوى إذ أنّ هذه التراكيب هي المصدر الذي يتشكّل ويتكوّن به الإدراك.
4- المسار التطوري: ويقصد به مدى التقارب في الأصل، والذي قد يعطي دليلًا على تشارك وجود عقل.

وكمثال يوضح هذه الأدلة جمعاء؛ أيُّ بشري تعرفه إذا لمس جسمًا ساخنًا فأبعد يده مسرعًا عن هذا الجسم مُبديًا “سلوكًا” يدلّ على الشعور بالألم، وتفوّه ب”آه” مثبتًا “بلغة” واضحة أن هذا الجسم الساخن آلمه، ويتشارك معك بوجود جهاز عصبي قد فسّر هذا الألم، وأنتما أيضًا من نفس النوع وتتشاركان ذات المسار التطوري، فهو بذلك شخص واعِِ لديه عقل مدرك.

والآن كيف يمكن تطبيق ذلك على النباتات؟
كما ذكرنا سابقًا، الشهادة تحتاج للغة للتعبير عن وجود إحساس، وهو أمر خاص بالإنسان، ولكون النباتات والحيوانات تفتقد وجود لغة تتحدث بها، إذًا لا يُؤخذ منها دليل على وجود عقل، لذلك سوف نستثني بدايةً هذا الدليل، ونستند بأدلتنا على المصادر الأخرى الثلاثة.

بداية من المسار التطوري؛ إنّ الحيوانات والنباتات تشعّبت وانقسمت إلى ممالك قبل 1576 مليون سنة من الآن تقريبًا، وإن الأجهزة العصبية نشأت وتطورت لدى الكائنات قبل 635 إلى 850 مليون سنة، مما يعني أنه على الرغم من وجود سلف مشترك، إلا أن التشعّب حدث حتى قبل ظهور جهاز عصبي بفترة طويلة، مما يدلّ على بعد التشابه بيننا وضعف احتمالية وجود عقل. لكنّ هذا الدليل يُعتبر الأضعف؛ لأنه لو أتى زائر على الأرض ورأى خريطة التطور لن يستطيع أن يقرر ما إذا كانت النباتات واعية أم لا فقط من بعدها عن الإنسان!

الدليل الثاني: التركيب التشريحي والفسيولوجي؛ على الرغم من أنّ النباتات تتشابه مع الحيوانات والإنسان تركيبيًا، حيث إن الكثير من النباتات لديها نظام وعائي لنقل السوائل، وتراكيب محاكية للعضلات لتمكينها من الحركة البسيطة، إلا أنها تختلف معهما أيضًا فيما يخص التراكيب المتعلّقة بالإدراك، كافتقادها للجهاز العصبي.

سبق وتمّ اكتشاف امتلاك النباتات لخلايا مستطيلة تُعدّ خلايا قطبية، تُدخِل وتُخرج هرمون أوكسين (auxin) -الذي يشبه النواقل العصبية- عند طرفيها، وبهذا تحاكي أطرافُها التشابكات العصبية لمعالجة ونقل البيانات فيما بينها كما الخلايا العصبية.

أمّا عن قمم الجذور، فتحتوي على تراكيب نسيجية متخصّصة يعتبرها بعض العلماء مشابهة للدماغ؛ إذ تعمل كمراكز تحكّم وإصدار وتوجيه أوامر للنبتة.

هذه جميعها تراكيب قد تبدو مشابهةً  للجهاز العصبي، لكنّ الكثير من العلماء ينفي وجود دليل على التشابه الوظيفي؛ إذ أن الدماغ في أجسام الكائنات التي تمتلكه يعني لها الحياة أو الموت؛ حيث أنّ قطع الرأس أو إزالة الدماغ يؤديان إلى الموت فورًا، في حين أنّ أغلب النباتات قادرة على الصمود أمام استئصال جذورها ولو لفترة لا بأس بها من الزمن. أيضًا، قطع عصب يؤدي إلى الشلل، وقد يكون أمرًا مهدّدًا للحياة، لكن في الأجزاء المشابهة في النباتات، فهل يؤدي قطعها إلى موت النبتة؟!

بالإضافة إلى ما سبق، إن صفتي الألم والسعادة هما صفتان باهظتا الثمن من حيث الأساس التشريحي (التركيبي)، حيث مصدرهما الجهاز العصبي والذي بدوره محاط بعظام متينة لضمان حمايته، كما توجد العضلات، فيتمكّن الكائن عند وجود حالة شعورية معيّنة من الحركة والتنقل والبحث عن طعام وتجنّب الأعداء بالهرب. لكن لو كانت النبتة تستشعر الألم وهي ثابته وغير قادرة على التنقل عبر بيئتها، فذلك يعتبر سلبيًا لها لأنها ببساطة لا تستطيع تجنّب أعدائها وستبقى تعاني في مكانها.

وأخيرًا وليس آخرًا، سلوكيات النباتات؛ يمكننا تقسيم هذه السلوكيات إلى ثلاث مجموعات: حركة، وإرسال واستقبال ومعالجة إشارات، والذكاء.
من حيث الحركة، فإنّ النباتات مثبّتة بمكانها، إلا أنّ لديها حركة بطيئة جدًا لا تكاد ملاحظتها، مثل حركة زهرة دوار الشمس التي تحرّك رأسها باتجاه الشمس، ومنها ما هو ذو حركة سريعة مثل نبتة خنَّاق الذباب (venus flytrap) التي تخطف الحشرات التي تقف على أوراقها فتحفّز شعيراتها الموجودة على هذه الأوراق، فتلتقطها وتفرز إنزيماتها لهضمها.

أمّا الإشارات، فيُعتبر إرسال الإشارات نوعًا من أنواع التواصل داخل النبتة؛ فهي تعمل كاستجابة للتغيرات البيئية المحيطة، وتستخدم أيضًا إشارات خارجية ترسلها لطلب المساعدة، ومنها من تنشر إشارات كيميائية كدلالة على الخطر!
وتُعتبر النباتات كائنات ذكية أيضًا؛ حيث إنها تتعلم وتأخذ القرارات، كبغض التغييرات السلوكية التي تبديها تبعًا لتغيرات بيئية معينة مثل الحرارة و الرطوبة والجفاف.
تعتبر هذه السلوكيات السبب وراء اعتقاد غالبية الناس أن النباتات واعية ولديها إدراك، لكن الذكاء ليس شرطًا لوجود عقل واستحقاق أخلاقي! إذ أنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتفوّق على الإنسان لكنه غير واعٍ وبدون عقل! أمّا عن السلوكيات المعقّدة، فهي تعتبر عمليات حيوية لا تستوجب وجود إدراك؛ فمثلًا البنكرياس في الإنسان عندما تكشف عن ارتفاع مستوى السكر في الدم تفرز الأنسولين كاستجابة لذلك، وتحدث الكثير من العمليات الحيوية الأخرى في أجسامنا دون مستوى الإدراك والوعي.

استنادًا إلى الأدلة التي عرضناها لكم، النباتات لا تحسّ بالألم، ولا تحسّ بالسعادة، ولا يوجد لديها عقل واعٍ، ومن الأصح وصف النباتات بصفات تتناسب مع ماهيتها بقول أنها “تكشف” عن التغيرات البيئية المحيطة بها، وتستجيب لها”.