4 دقيقة، 50 ثانية

“مرحبًا، اسمي ستيفن هوكينج، وأنا فيزيائي وعالم فلك، وحالم بعض الأحيان. على الرغم من أنني لا أستطيع الكلام أو التحرك إلا عبر كمبيوتر، ولكن في عقلي، فأنا حرٌ تمامًا”.

وُلد ذلك الحالم في 8 كانون الثاني من عام 1942 في اكسفورد بإنجلترا. كان ميلاده مقرونًا بالذكرى الثلاثمائة لوفاة العالم الشهير جاليليو جاليلي. ستيفن هو أكبر أبناء المفكرين فرانك وإيزوبيل هوكينج الأربعة: ماري التي ولدت عام 1943، وفيليبا التي ولدت عام 1947، وإدوارد أخاهم المتبنى عام 1956.

شقًّت والدته الاسكتلندية طريقها إلى جامعة أكسفورد في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو الوقت الذي تمكنت فيه قلة من النساء الالتحاق بالجامعة، حيث درست الاقتصاد والسياسة والفلسفة، وعملت فيما بعد معلمة مدرسة. كان والده خريج جامعة أكسفورد، باحثًا طبيًا مرموقًا متخصصًا في أمراض المناطق المدارية الحارة، والتي تضمنت رحلات ميدانية منتظمة إلى شرق إفريقيا.

جاءت ولادة ستيفن في وقت غير مناسب لوالديه، وذلك بسبب الوضع المالي الشحيح، بالإضافة إلى المناخ السياسي الموتّر آنذاك الذي كانت تتعامل فيه إنجلترا مع الحرب العالمية الثانية وهجوم القنابل الألمانية في لندن، حيث كان الزوجان هوكينج يعيشان. وفي محاولة للبحث عن مكان أكثر أمانا، عادت إيزوبيل إلى اكسفورد لتنجب لنا عالمنا الصغير. كان ستيفن كثير التنقل والحركة ومحب للتسلق، حيث كان يبتكر مع أخته ماري طرقًا مختلفة للدخول إلى منزل العائلة، وكان مُحبًا للرقص، بالإضافة إلى اختراعه ألعاب معقدة للغاية مع أصدقائه المقربين في المدرسة روجر فيرنيهو وجون ماكلينهان.

أراد والد ستيفن أن يتخصص ابنه الأكبر في الطب، ولكن في سن مبكر، أظهر شغفه بالعلم والسماء. “كان لدى ستيفن دائمًا شعور قوي بالاندهاش”. ” واستعطتُ أن أرى أن النجوم تجذبه” هذا ما قالته والدته، التي غالبًا ما كانت جنبًا إلى جنب مع أطفالها، وذات تأثير قوي عليهم. كما أن والده شجع بشدة اهتمام ستيفن بالعلوم، حيث كان يأخذه إلى مختبره للنظر خلال المجاهر وزيارة منزل الحشرات حيث تم الاحتفاظ بالبعوض المُصاب بالأمراض الاستوائية، والذي كان أيضا يدربه على الرياضيات حتى يتمكن من مواكبة المعرفة والمهارات الرياضية.

في وقت مبكر من حياته الأكاديمية، لم يكن ستيفن طالبًا استثنائيًا، على الرغم من كونه لامعًا، إلا أنه خلال سنته الأولى في مدرسة سانت ألبانز، كان الثالث من آخر فصله. لكنه حصل على تعليم جيد مع زملاء موهوبين في المدرسة، حتى أنهم أطلقوا عليه لقب “أينشتاين”، كما يبدو فقد شجعوا اهتمامه بالعلوم.

في آخر عامين في المدرسة الثانوية، ركز ستيفن على الرياضيات والفيزياء وكان محظوظًا بوجود مدرس رياضيات لامع “ديكران طهتا Dikran Tahta”. الذي قال عنه في وقت لاحق “بفضل السيد طهتا، أصبحت أستاذًا للرياضيات في كامبردج، وهو المنصب الذي كان يشغله إسحاق نيوتن”. كما أنه صنع مع العديد من الأصدقاء جهاز كمبيوتر بدائي من الأجزاء المعاد تدويرها لحل المعادلات الرياضية البدائية.

كان فرانك حريصًا على أن يحاول ستيفن الالتحاق بكليته القديمة في جامعة اكسفورد.على الرغم من أن مدير مدرسة سانت ألبانز أعتقد أن ستيفن أصغر من أن يأخذ امتحان القبول، إلا أنه نجح في سن 17، وجلب له طموحه منحة دراسية إلى جامعة اكسفورد. أعرب ستيفن عن رغبته في دراسة الرياضيات، إلا أن أكسفورد لم تكن تقدم درجة علمية في هذا التخصص، لذلك انجذب ستيفن نحو الفيزياء، وتحديدًا علم الكونيات. 

كان معظم زملاء ستيفن في اكسفورد أكبر منه سنًا. في مذكراته، سجَّل ستيفن أنه يشعر بالوحدة إلى حد ما في أول عامين له، وبالتالي انضم إلى نادي قوارب الكلية باعتباره Coxswain في سنته الدراسية الثالثة، مع أنه لم يكن cox مميزًا، إلا أن التجربة وسّعت دائرة أصدقائه.

في عام 1962، تخرج بمرتبة الشرف في العلوم الطبيعية، ثم انتقل إلى Trinity Hall في كامبريدج للحصول على درجة الدكتوراه في علم الكونيات، حيث أشرف عليه الدكتور Dennis Sciama في قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية. كانت أطروحته بعنوان خصائص توسع الأكوان، والتي جعلها متاحة مجانًا عبر الإنترنت عام 2017، حيث كانت هناك أكثر من مليون محاولة لتنزيل الأطروحة، مما يدل على الشعبية المستمرة لهوكينج وإرثه الأكاديمي. وبعد إنهائه من درجة الدكتوراه عام 1966، أصبح زميلًا باحثًا في كلية جونفيل وكايوس في جامعة كامبردج والذي شغله لبقية حياته.

في عامه الأخير في اكسفورد، بدأ ستيفن يلاحظ مشاكل صحته الجسدية، فبعض الأحيان كان يتعثر ويسقط، أو يتشوه كلامه، لكنه لم يلقي بالًا للمشكلة، غالبًا احتفظ بهذه الأعراض لنفسه. حتى عام 1963 خلال سنته الأولى في كامبردج عندما لاحظ والده الحاله؛ اصطحبه للطبيب. وبعد خضوعه لسلسلة من الاختبارات، تم تشخيصه بمرض التصلب الجانبي الضموري ALS  -غير القابل للعلاج- وهو في سن 21، وفي ذلك الوقت منحه الأطباء عامين ونصف على أعلى تقدير ليعيش.

قبل التشخيص لم يكن ستيفن يركز دائمًا على دراسته، ولم يُخصص لها الكثير من الوقت، فقد كان يُخصص ساعة واحدة في اليوم مع التركيز على الجامعة. فقد قال: “قبل تشخيص حالتي، كنت أشعر بالملل الشديد من الحياة”. ” يبدو أنه لم يكن هناك أي شيء يستحق القيام به”. ولكن مع إدراكه أنه قد لا يعيش طويلًا بما يكفي للحصول على درجة الدكتوراه، انكب على عمله وأبحاثه.

عَمِل ستيفن بشكل أساسي في مجال النسبية العامة وخاصة فيزياء الثقوب السوداء. حَفَّز عمله الجهود المبذولة لتحديد خصائص الثقوب السوداء نَظريًّا، وهي أشياء كان يُعتقد سابقًا أنه لا يمكن معرفة أي شيء عنها. كان عمله مُهِمًّا لأنه أظهر علاقة هذه الخصائص بقوانين الديناميكا الحرارية الكلاسيكية وميكانيكا الكم، وغيرها الكثير من الإنجازات. كما أنه شارك في تأليف 15 كتاب، ولعل أشهرها كتاب تاريخ موجز للزمن الذي نشره عام 1988 والذي قضى أكثر من أربع سنوات على قمة أفضل الكتب مبيعا في لندن، وبيعت منه ملايين النسخ في جميع أنحاء العالم كما أنه تُرجم إلى أكثر من 40 لغة.

التقى ستيفن بطالبة جامعية شابة تدعى جين وايلد، وتزوجا عام 1965، كانت جين تدعم ستيفن بشكل استثنائي مع تدهور حالته، وأنجبا روبرت (عام 1967) ولوسي (عام 1970)، وتيموثي (عام 1979).

في 14 مارس 2018، توفي ستيفن هوكينج بسبب مرضه، وهو المرض الذي كان من المفترض أن يكون قد قتله قبل أكثر من 50 عام. غرد أبنائه قائلين: “نشعر بحزن عميق لوفاة والدنا الحبيب اليوم، لقد كان عالِمًا عظيمًا ورجلًا غير عاديًا سيستمر عمله وإرثه لسنوات عديدة، لقد ألهمت شجاعته ومثابرته بتألقه وروح الدعابة لديه الناس في جميع أنحاء العالم. قال ذات مرة: ” لن يكون الكون كبيرًا إذا لم يكن موطنًا للأشخاص الذين تحبهم”. سنفتقده إلى الأبد”. كما أن وفاته كانت مقرونةً مع ميلاد العالم الشهير ألبرت أينشتاين.