2 دقيقة، 46 ثانية

مختبر “سيرن” أو “المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية” أحد أشهر المختبرات في العالم وأكثرها غموضًا وسرية، التي تدور جُل اختباراتها حول فيزياء الجسيمات، فتتركز في توفير مسرعات الجسيمات وغيرها من البنى التحتية اللازمة لبحوث فيزياء الطاقة العالية والإشعاع.

تبدأ الأمور في هذا المُسرّع بدوران الجسيمات لتسريعها لتصل لسرعةٍ قريبة من سرعة الضوء حتى تصطدم بجسيمات أخرى، وعندها تنفجر وتنشطر إلى عدة جسيمات أصغر محدثة ما يشبه حدث “الانفجار العظيم” ولكن بصورة مصغرة تشبه الثواني الأولى من بدء الكون، ليقوم علماء فيزياء الجسيمات بتسجيل هذا الانشطار مستخدمين أجهزة قياس عملاقة لتدوين تفاصيله بدقة.

وحول هذا، يعتقد العلماء أن لكل جسيم أولي من الجسيمات دون الذرية قرينٌ له نفس الكتلة، ولكنه متضاد معه في الشحنة، وعند التقائهما في ظروف معينة في المصادم فإن أحدهما يسحق الآخر لتنتج الطاقة في صورة أشعة غاما أو بوزونات. ويبقى السؤال عندها، إذا سَحق كل جسيْم قرينه بشكل كامل، فمن أين تأتي المادة التي تكونت منها النجوم ومليارات المجرات عبر السنين؟

في مختبر “سيرن” يحاول العلماء إثبات وجود فرق بين المادة ومضادها، وهو ما نجحوا فيه عند رصدهم لجسيم “بوزون هيغز”. حيث رصدوا فرقا ضئيلا خلال تحلل جسيم ما إلى مادة أو قرينها أثناء عمليات التصادم في مُصادم الهدرونات الكبير” LHC”، فما هو” بوزون هيغز ” ؟

بوزون هيغز: هو جسيم أولي دون الذري يعتبر المسؤول عن اكتساب ذرات المادة لكتلتها، وتم رصده عام 2011 عبر مصادم الهدرونات الخاص بالمنظمة. قال العلماء: إن باكتشافه سيتم سد الثغرة المفتوحة في النموذج الفيزيائي القياسي، النظرية التي تصف كل الجسيمات والقوى والتفاعلات التي تشكل هذا الكون.

 بدأت الرواية لهذا الجسيم في سبعينيات القرن الماضي، عندما لاحظ الفيزيائيون أن هناك روابط وثيقة جدًا بين القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية. وهذا الترابط يعني أن الكهرباء والمغناطيسية والضوء وبعض أنواع النشاط الإشعاعي كلها مظاهر أو أشكال لقوة أساسية واحدة تعرف باسم “القوة الكهربائية الضعيفة”. إن المعادلات الأساسية لهذه النظرية الموحدة توضح القوة الكهربائية الضعيفة وكذلك الجزيئات الحاملة للقوة المرتبطة بها الفوتونات (W) والبوزونات (Z)، إلا أنها حملت في طياتها خللًا واضحًا.

حسب النظرية، هذه الجسيمات تظهر دون كتلة -وقد يبدو هذا صحيحًا بالنسبة للفوتون- لكن تبقى البوزونات التي لابد من وجود كتلة لها -وهي ما يقارب 100 ضعف كتلة البروتون- مَحل الخلاف الأساسي.

بعد هذا، ظَهر الفيزيائيون (Robert Brout)، (François Englert)، وبيتر (Peter Higgs) ليقدموا اقتراحًا لحل هذه المشكلة، فأخرجوا لنا ما نُطلق عليه الآن آلية (Brout-Englert-Higgs) التي تعطي كتلة للبوزونات والفوتونات عندما يتفاعلان مع حقل غير مرئي يعم الكون كله، وعُرف هذا الحقل ب”حقل هيغز”. مثل كل الحقول الأساسية، يحتوي حقل هيغز على جسيم مرتبط “بوزون هيغز (Higgs boson)”، وهذا الجسيم هو تمثيل مرئي لحقل هيغز، ويمثل -كما هو مقترح في النموذج القياسي- أبسط مظهر لآلية “براوت-إنغلرت-هيغز”.

في 2013، مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء لكل من فرانسوا إنغلرت وبيتر هيغز عن الاكتشاف النظري للآلية التي تسهم في فهمنا لأصل كتلة الجزيئات دون الذرية، والتي تم تأكيدها مؤخرًا من خلال اكتشاف الجسيمات الأساسية المُتنبأ بها، من خلال تجارب (ATLAS) و(CMS) في مصادم الهدرونات العظيم في سيرن.

أما أهمية هذا الجسيم تكمن في إخبارنا بكل ما نحتاج معرفته حول كيفية عمل الكون، وهذا ما سيملأ فجوة كبيرة في النموذج القياسي الموجود منذ أكثر من 50 عامًا، وفقًا للخبراء.

وتعقيبا على ذلك، قال مارتن آرتشر الفيزيائي في إمبريال كوليدج في لندن، لشبكة سي إن إن: “بوزون هيغز هو آخر جزء مفقود من فهمنا الحالي للطبيعة الأساسية للكون”. ليكون عندها مختبر”سيرن” هو البوابة الرئيسة لمعرفة كيفية نشأة هذا الكون وأسراره الصغيرة، من خلال نشاطاته الخاصة بالأبحاث النووية وتقنياته التي لا زالت تحت طي الكتمان وبالتالي الإشاعات!