2 دقيقة، 46 ثانية

قبل أكثر من سبع ملايين سنة، دار ثقبان أسودان حول بعضهما حتى اصطدما واندمجا، الحدث كان ضخمًا لدرجة أنه أرسل تموجات ارتفعت عبر نسيج الزمكان، حتى وصلت هذه التموجات كوكبنا الأرض وسببت اهتزازه نهار يوم 21/5/2019. قال عنه العلماء أنه أكبر انفجار كوني تم رصده على الإطلاق!

تم رصد الحدث عن طريق رصد موجة جاذبية من قبل فريق ليغو-فيرغو للتعاون العلمي، جاءت إشارة موجة الجاذبية القصيرة (GW190521) من اصطدام هائل، وقدّر الباحثون أن ثقبين أسودين تبلغ كتلتهما 85 و66 مرة ضعف كتلة الشمس، التفا حول بعضهما وتوحّدا ليشكلا ثقبًا أسود عملاقًا كتلته أكبر ب142 من كتلة الشمس.

في أقل من ثانية أطلق الثقبين الأسودين المندمجين طاقة أكبر ب8 مرات من الطاقة الموجودة في جميع ذرات شمسنا، كانت كلها على شكل موجات جاذبية. هذه الكمية من الطاقة تكفي لإطلاق أكثر من مليون مليار قنبلة ذرية كل ثانية لمدة 13.8 مليار سنة، وهو عمر الكون الذي رصدناه.

هذا التصادم أعطى الكثير من الحماس العلمي لعدة أسباب؛ أولها أن الثقب الأسود الذي نتج غريب من نوعه، للآن لم يجد العلماء إلا ثٌقوبًا سوداء أضخم ب10 مرات من الشمس أو ثقوبًا سوداء عملاقة أضخم بمليون ومليار مرة من الشمس، ولكن لم يجدوا أبدا ثقبًا أسودًا كتلته ما بين ال 100 وال 100,000 مرة كتلة الشمس، ولهذا ف (GW190521) هو أول ثقب أسود متوسط الكتلة يتم رصده.

لا شك في أن إثبات وجود الثقوب السوداء متوسطة الكتلة هو شيء عظيم، ولكن المفاجأة هنا؛ هو أن أحد الثقبين المندمجين كتلته 85 كتلة الشمس، ونظريًا يستحيل وجود ثقب أسود بهذا النطاق! يعتبر الثقب الأسود بكتلة 85 كتلة الشمس لغز حقيقي لا يتوافق مع كيفية فهم العلماء لموت النجوم الضخمة والمتوسطة.

حيث يتوقع علماء الفلك أن النجوم الضخمة ينتج عن موتها ثقب أسود، أما التي تتراوح كتلتها بين 65 و130 ضعف كتلة الشمس تخضع لعملية تسمى عدم الاستقرار الزوجي، مما يؤدي إلى انفجار النجم وعدم تكون ثقب أسود. لكن إذا كانت كتلة الثقب تبلغ ضعف كتلة الشمس ب 85 مرة، فهو موجود بشكل مباشر في هذا النطاق المحظور، ويجب أن يكون مستحيلًا. إذًا، إن لم يكن هذا الثقب ناتجًا عن انهيار نجم، فكيف تشكّل؟

الفرضية الأنسب، هي أن أحد الثقبين الأسودين اللذين تم رصد اصطدامهما -إن لم يكن كلاهما- ناتج عن اندماج ثقبين أسودين أصغر حجمًا. بينما لدى العالمة “Priyamvada Natarajan” رأي آخر، فقامت بعمل حسابات تشير إلى أنه في بدايات تكون الكون قد تزيد كتلة بعض الثقوب السوداء الصغيرة سريعًا عن طريق تحركها السريع حول نجوم ضخمة مليئة بالغازات لتزيد كتلتها، وأضافت لاحقًا دراسة أخرى تقول: أن من الممكن للنجوم الضخمة أن تُولد ثقبين أسودين لكل منهما 50-75 كتلة الشمس، ويمكنهما لاحقًا الاندماج.

أمر آخر مثير للدهشة! بعد حوالي شهر تم رصد توهجًا ضوئيًا في نفس موقع الاصطدام، هذا التوهج يمكن أن يكون قد تكوَّن أثناء اندماج الثقب الأسود عبر قرص الغاز المحيط بالثقب الأسود الضخم وازدياد درجة حرارة الغاز عند التصادم تجعله يتوهج. مع ذلك هنالك فرق بين دراسات الاصطدام ونتائج رصد التوهج وهو: البُعد؛ فبعد التوهج عن الأرض هو 8 مليارات سنة ضوئية بينما بُعد الاصطدام 17 مليار سنة ضوئية، لذا أحد علماء الدراسة يقول: إن وجودهما بنفس الموقع بالسماء قد يكون مصادفة لا أكثر.

نظريًا، فإن الثقب (GW190521) من المؤكد يَسطع بالكون، لكن لن يتم تأكيد أي من هذه النظريات إلا عن طريق رصد العديد من هذا النوع من الثقوب السوداء والاصطدامات في المستقبل، كي يستخدمها العلماء لبناء نماذج وإجراء دراسات قد تغيّر مجرى الكثير من النظريات، لهذا يجد الكثير من علماء الفلك منذ ذاك اليوم حماسًا أكبر لرصد السماء!