1 دقيقة، 57 ثانية

السلوك هو محور عنوان مقالنا؛ فإن كنتَ تريد التأثيرَ على جيناتك فعليك بتغيير سلوكك وروتين حياتك، حيث من المهمّ جدًا فهمُ العلاقةِ بين الجينات والسلوكيات، وكيفية التأثير عليها، إذ هذا ليس من شأنه فقط تفعيل الأثر الإيجابي، وإنّما التقليل من أيّ تأثير سلبي بيئي أو سلوكي!

ولكن … كيف يمكن لأحداث أو تجارب مرّت في حياتك أو حياة والديك وأجدادك أن تؤثر عليك؟! هذا ما بدأنا به في الجزء الأول من سلسلتنا، ونستكمله هنا، فإليك الطريقة.

بالعودة إلى سؤال مقالنا السّابق حيث التوأمان المتطابقان اللّذان عاشا في بيئتين منفصلتين؛ كلا الفتاتين لديهما نفس المادة الوراثيّة تقريبًا، ولكن ماذا إن شجّعت كلُّ بيئةٍ معطياتٍ مختلفة عن البيئة الأخرى؟ فمثلًا الفتاة الأولى تعيش في بيئة صحيّة مليئة بالحركة والتمارين الجسدية بالإضافة إلى غذاء صحيّ متوازن، فهل نتوقّع أيَّ نشاط أو تحفيز للجينات المسؤولة عن السمنة ؟! بالطّبع لا، فهنا يأتي دور مفهوم  علم ما فوق الجينات -Epigenetic- حيث سلوكيات وظروف معينة تُؤثّر على تفعيل وتعطيل جينات مرتبطة بها. وفي المقابل نشوء الفتاة الأخرى في بيئة تشجّع تناولَ المأكولات والأطعمة المعلّبة مع الكثير من السّكريات المصنّعة ودون أي نشاط جسدي يُذكَر يجعلنا نتوقع تفعيلًا للجينات المسؤولة عن السّمنة بالتأكيد!

في مثالنا هذا، المركّبات الكيميائيّة التي كانت نتاجَ نوع الأطعمة، بالإضافة إلى الحركة الجسديّة والنشاط البدنيّ أثّرا على طريقة تعبير الجين ونشاطه وكيفيّة تأثيره على أجسامنا، وهناك العديد من الدراسات الحاليّة تتابع  التّغيّر الحاصل من تنوّع نمط الغذاء على جينات الشخص واحتماليّة انتقالها للأبناء أيضًا.

ومن الغذاء والنشاط البدني ننتقل إلى مشاعرنا وعواطفنا، فهل يؤثّر ذلك على جيناتنا أيضًا؟
في دراسةٍ أجريت عام 2015 على أبناء الناجين من الحروب، ظهر أنّ جينات الأبناء تجعل لديهم قابليّة أكثر لاضطرابات الإجهاد الناتجة عن الصدمة، ووفقَا لدراسة ثانية أيضًا للناجيين من الحرب الأهلية الأمريكية (1861– 1865)، فقد أظهر أبناؤهم معدّلَ وفيات أعلى في عمر الأربعين ناتجًا عن ما تعرّض له آباؤهم من ظروف قاسية في السجون خلال فترة الحرب، وكان ذلك خاصًّا بالأبناء الذكور فقط. وهذا ينطبق أيضًا على الأمّهات في فترة الحمل؛ فما تختبرينه خلال هذه الفترة قد ينتقل لأبنائك ويبقى معهم دائمًا.

نهايةً، الكثير من الدراسات الحاليّة تعمل على ربط فهم ومعالجة بعض الأمراض المزمنة وعلاقتها بالبيئة المحيطة، وإذا ما كان هناك أيُّ علاج عن طريق تغيير الممارسات والسلوكيات لنصل إلى تأثير في تعبير الجين أو الجينات المسؤولة عن مرض معيّن، وأيضًا العديد من المحاولات والتجارب للوصول إلى نتائج أكثر دقّة عن مدى تأثير سلوكياتنا على جيناتنا.

وإلى ظهور دراسات أخرى أو معرفة أي شيء جديد، نتمنى الصّحة للجميع.